الرئيسية / مقالات / السيد “بلال”

السيد “بلال”

العبد الحبشي، ذاك لقب الفتى الأسود النحيل طويل القامة، ذلك اللقب الذي توارى خلفه اسمه بلال بن رباح، وكأن القوم ضنوا بأن ينادونه باسمه.

يعمل لدى بني جمح وكأنه آلة، وإن تقاعس رغمًا عنه فالويل له من بطش سيده، فكم من مرة لطم بلال على وجه، وكم من مرة جلد ظهره، وكم من مرة سب بأقبح الشتائم.

فياله من عبد بائس يخدم ويكد ويرعى الإبل على حفان من تمر يسد بها جوعه، فليت شعري كم كان بلال يتمنى أن يحوز ما تحوزه تلك الإبل التي يرعاها من الاهتمام.

أيام تمر على بلال بغير معالم سوى ما يبرز فيها من فنون المعاملة اللاإنسانية، وبدت تلك الأيام وكأنها بحر تمتد صفحته لا يدرك البصر آخره، فلا يرى اليابسة.

أسلم بلال، وانضم إلى ركب الإيمان، فطار الخبر إلى أمية بن خلف ونزل على أم رأسه كالصاعقة، فيصرح أمام القوم بما اعتزمه من البطش بالعبد الحبشي حتى يرده عن دين محمد، فهكذا يسوقون العبيد بالسوط، لكنه لم يدرك أنه سوف يشهد بعينيه ملحمة للصمود لم تكن يومًا لتداعب تصوراته.

لقد كان بلال أول سبعة من أهل الإسلام يظهر إيمانه ويصدح به، ولقد تفننت قريش في تعذيبه وإيلامه، فكيف برجل ضعيف أنهكه العذاب يلبس درعًا من الحديد، يقضي طوال النهار تحت الشمس المحرقة فيصهر ذلك الحديد جسده.

وعلى الرمال الملتهبة تحت حر الشمس المحرقة كان ذلك الجسد النحيل يرقد عاري الظهر، فتلتحم البشرة السوداء بلهب الرمال، فيسام الفتى الحبشي لونًا مخيفًا من العذاب الوحشي، ويأتيه التقريع والتوبيخ تترًا من سيده الذي يشهد عذابه ويمني نفسه بأن تخور عزيمة بلال فيرتد على عقبيه عن دين محمد.

منظر تكاد الأحجار تبكي له، إذ وضعوا على بطن بلال حجرًا كبيرًا، فيجتمع عليه حر الشمس في الظهيرة، ولهب الرمال المستعرة من تحته فتكوي جلده، وذلك الثقل الذي يطبق بطنه على ظهره، ويمنعه من استنشاق الهواء.

وفي خضم هذا التعذيب الذي لا تطيقه الجبال، يأتيه سيده متوعدًا: “لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى”.

هكذا نطق بها ظنًا منه أن بلالًا سوف يستجيب لوعيده وبطشه، ولكن ذلك العبد الحبشي الضعيف، قد خالطت قلبه بشاشة الإيمان، وأكسبته قوة في نفسه تتقزم أمامها الجبال، ولم تكن إجابة بلال على تلك التهديدات سوى أنشودته التي اشتهر بها على مر الزمان، والتي كانت كحسام يشهره في وجوههم: (أحد أحد).

بعد ثمانية أعوام من الهجرة:

جموع غزيرة تطوي رمال الصحراء، يبدو عليها سيما الإيمان التي لا تخطئها العين، وها هو بلال بن رباح بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوانه من المهاجرين والأنصار، يقتربون من بلدة لم تفارق معالمها ذاكرتهم رغم مرور السنين.

إنهم يتجهون إلى مكة وبيت الله الحرام، إلى ذلك البلد الذي أخرجوا منه وتركوا ذكرياتهم وبيوتهم لغير أصحابها فرارًا بدينهم.

وكأني به يسير في موكب الإيمان تتوافد على خاطره ذكريات ست سنين مضت من يوم بدر المشهود، وما تلاه من شهوده معركة أحد، وفجيعته بإخوانه الذين سالت دماؤهم تروي رمال الصحراء، كحمزة ومصعب وغيرها من أبطال الإسلام، وما أعقبه من زحف المشركين على المدينة، وحفر المسلمين خندقًا حولها.

 وكيف أن الله سبحانه وتعالى نصرهم على عدوهم نصرًا مؤزرًا، وتلك الملحمة التي دارت سطرت فصولها في مؤتة، واستشهاد ثلاثة من خيرة قادة المسلمين، أحداث تبعتها أحداث حتى وصلت بهم راحلة الزمن إلى ذلك المشهد البديع.

البِشر يعلو قسمات بلال، إنها حقيقة لم يتطرق إليها خياله من قبل، يدخل مكة عزيزًا مكرمًا، آمنًا فاتحًا، لا سوط يجلد ظهره، ولا قيد يطوق عنقه، ولا صرخات ألم تنطلق من صدره، لقد أعزه الله، ومن يعزه الله فلا مذل له.

ويدخل بلال مع كتائب الإيمان بغير قتال إلا مناوشات يسيرة، وقد أمّن الحبيب صلى الله عليه وسلم الناس، وطاف بالكعبة وأكفأ الأصنام التي طالما شوهت مشهد البيت الحرام، ودخل الكعبة ومعه بلال ونفر من أصحابه، وصلى بها.

وجاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلال بما لم يكن يومًا يخطر بباله، لقد أمره أن يرتقي الكعبة، أن يقف على ظهرها ويرسل تكبيرات النداء لتفتح آذانًا أصمها صوت الباطل.

وارتقى بلال سطح الكعبة في خشوع وتواضع واستعلاء بالإيمان، ترى هل كان يدور بذهن بلال حين كان يهمس تحت سوط العذاب أحد أحد أن يجلجل فوق الكعبة بكلمات النداء الخالد؟ هل خطر يومًا بباله وهو تحت الحجارة أن يرتقي في يوم حجارة بيت الله الحرام وأشرف بقاع الأرض؟

ويكبر السيد “بلال” ليرجع إليه صدى صوته الندي يتزامن معه ترديد الألسنة الطاهرة كلمات بلال، وأما غيرهم فقد أغلق عليه بابه وهو في ذهول، أهذا هو العبد الحبشي الذي كان رويعي إبل على حفنات تمر؟ أهذا هو بلال الذي كان هملًا لا يذكر، أعلا شأنه حتى بلغ هذه المنزلة؟! وجهلوا أن بلال قد صار سيدًا بين الأنام بعقيدته الصافية واعتناقه دين خير البشرية.

إنه الإسلام يا سادة، مصدر الرفعة والعلو، المنهج الذي ينشئ الأفذاذ، ويغير النفوس والطبائع إذا ما تمثله المرء، يمد الأفق أمام معتنقيه، يشعرهم بالقوة والثقة بالنفس، لأنه من خير أمة أخرجت للناس، تابع لخير رسل الله وأنبيائه، يتلو أعظم كتاب نزل من السماء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

ذلك الإسلام الذي يرفع المسلم به رأسه ولو كان في القيد، ولو كان أفقر أهل الأرض، ولو كان أضعف البشر جسدًا، فيكون رغم كل شيءٍ سيدًا.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

دراما ابن زايد تعلن الحرب على فاتح القسطنطينية

«قد نبشتُ قبور ملوكهم السابقين والمتأخرين الذين لم يخافوا من هيبة آشور، والذين أقلقوا أسلافي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *