الرئيسية / مقالات / العالم السفلي

العالم السفلي

يعيشون على هامش الحياة، يبحثون عن السلام، يُكملون عشاءهم نومًا، ينشدون مكانًا لهم تحت الشمس، باعتبار أنها تشرق على الجميع، ولا شيء يربطهم بمظاهر الترف سوى الصور والأحلام أيضًا.
في رواية «يوتوبيا» للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق، كانت هناك مدينة يرفل أهلها في ظلال الرفاهية، بينما يوازيها عالم آخر سماه «أرض الأغيار» يستبد بهم الجوع، ويصليهم القلق من لظاه، ولئن كان أغنياء «يوتوبيا» يشربون الخمر تلذذا وكسْرًا للملل، ففي أرض الأغيار كذلك يشربون لكن لنسيان واقعهم.
المهمشون، أولئك الذين يكابدون من أجل البقاء، فإن بدا منهم فرسانٌ رأيتهم بلا خيول، فإن حاولوا الوصول على متن أحلامهم، وساروا على أقدامهم في الهواجر، جاء دور المجتمع الطبقي ليقول: قف مكانك حيث أنت، فأنت من أبناء العالم السفلي. في عالمنا بات من أقوى مظاهر الاستقطاب، كما يقول فرانسيس مور لابيه، وجوزيف كولينز في «صناعة الجوع»، هو وجود أقلية متخمة يُصاب الكثير من أفرادها بالعلل المترتبة على الإفراط في الغذاء، وأكثرية جائعة يتعرض أطفالها، فضلا عن كبارها لأبشع أمراض سوء التغذية ونقص النمو. لكن هذا المشهد يتغول في عالمنا العربي خاصة، فكل حاكم مستبد يريد الإبقاء على السواد الأعظم من شعبه مشغولًا بسد الرمق، والبحث عن العلاج من الأمراض، بينما يستبقي الحاكمُ الملأَ – تلك الثلة المتنفعة التي تُظاهره وتؤيده – في رغد من العيش والإمساك بمفاتيح خزائن البلاد. وهو مع ذلك يُطلق المرتزقة المنتسبين زورًا وبهتانًا للعلم والشريعة، فيجتهدون في قتل كل تطلعات لدى تلك الجماهير المطحونة في المطالبة بحقوقها، عن طريق قول الحق الذي يراد به الباطل، فيأمرونهم بالصبر على الابتلاء بالفقر والجوع طمعًا في ما عند الله يوم القيامة، وأن كل ذنب إنما هو من كسب المرء، وتبشيرهم بأن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام، والغرض من ذلك ليس الحث على الصبر والتحمل والرضا بالقدر، إنما هي غاية خبيثة وتكريس للظلم الاجتماعي، وصرف الأنظار عن المطالبة بالحقوق المشروعة والعدالة الاجتماعية. ويمعنون في إذلال هذه الشريحة الكبيرة بتحميلها المسؤولية عن التدهور الاقتصادي للبلاد، بسبب كثرة الإنجاب، مع أن هناك دولًا متخلفة فقيرة وتعاني من انخفاض معدل المواليد، لكنها «القنبلة السكانية» التي يطلقها الحكام في وجه الجماهير التي ترى تبديد الثروات أمام أعينها ولا تستطيع أن تحرك ساكنًا سوى السخط المكتوم.
يقولون في المثل العربي «سمِّن كلبك يأكلك»، هذا ما يسير عليه الطغاة الجائرون، لكنهم عميت أبصارهم، إن هذه الكلاب إذا جاعت أيضا أكلت أصحابها، ولكن، أين النخب الفكرية والسياسية والثقافية من هؤلاء المهمشين؟ هل تبقى هذه الكثرة الغالبة دائما لا مكان لها سوى الروايات والأفلام التي تقتات على واقع هذه الطبقة لحصد الجوائز، ثم يصفق الجمهور وينتهي الأمر؟ أين تلك النخب التي دائما ما تجعل هذه الطبقة على الخطوط الأولى في معاركها السياسية والفكرية؟ أليس هؤلاء هم الذين يمثلون طوابير الناخبين الذين يمنحونهم أصواتهم؟ أليسوا هم السواد الأعظم من جموعهم الزاحفة لتغيير النظم الديكتاتورية؟
النخب العربية مشغولة بمعاركها، همها ينصرف إلى التنظير والمعارك الكلامية لمقارعة الأنظمة أو لممالأتها والتزلف إليها، ولا تذكر هذه الفئة إلا لإكمال قائمة مطالبها واستيعاب هذه الشريحة وقت الاحتياج إليها. نُخبنا تتحدث عن تغيير الأنظمة القمعية، نعم هذا حسن.. نخبنا تتحدث عن السياسات الخارجية العرجاء للحكومات.. هذا جيد.. نخبنا تتحدث عن إطلاق الحريات وكفالة حرية التعبير عن الرأي.. رائع. فأين المهمشون من اهتماماتهم؟ يتحدثون عن الأولويات متجاهلين أن هؤلاء المهمشين هم الذين ينبغي وضع أحوالهم البائسة على رأس قائمة الأولويات.
لكن ماذا يفعل المتخمون للجياع؟ وكيف يشعر من يركب «لاند لوفر» بمن يتهلل فرحًا إذا وجد مكانًا للوقوف في زحام الباص الحكومي في رحلته اليومية؟ فقط نسمع تلك العبارة الرنانة «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، لكنهم لو شعروا بالمهمشين لأضافوا إليها «وليس بغير الخبز يحيا الإنسان». إن لم تكن هذه النخب هي اللسان الناطق والمعبر عن معاناة المهمشين والمنابر التي تطالب بالعناية بها، فمن ذا يكون؟
المهاتما غاندي كان من عائلة توصف بأنها من النخبة، عندما أعلن استقالته من حزب المؤتمر، واعتزال الحياة السياسية، لم يتخل عن مواصلة حملته من أجل المساواة الاجتماعية لصالح الطبقة المعروفة بطبقة المنبوذين «الداليت»، وهي الأدنى بين الطبقات الاجتماعية بالهند، وتعاني عدم احترام حقوقها الإنسانية، وتتعرض إلى النبذ والازدراء والأذى من الطبقات العليا في المجتمع. فماذا عن النخب العربية؟ لماذا لا تجعل المهمشين إحدى معاركها التي تخوضها؟ هل يليق بتلك النخب الاستغراق في التنظير والحديث عن الأيديولوجيات، وتداول السلطة وحرية الفكر، بدون أن تولي اهتمامًا بهذه الشريحة التي يأكل أبناؤها أحيانًا من صناديق القمامة؟
أي وربي إنه يحدث في بعض البلدان العربية، يقصدون صناديق القمامة ليأكلوا من فضلات طعام الآخرين، وبعضهم ينام في العراء على أرصفة الشوارع لا مأوى لهم، ولا نحصر في هذا المقام مشاكل المهمشين في قضية الغذاء، فهناك لون آخر من ألوان الاستبداد الذي يلحق بهم، وهو انعدام الفرص أو ندرتها في التعليم والعمل والوظائف، والاحتياج إلى سكن آدمي يليق بإنسان بشري كرمه الله.
بم يجدي تشجير الطرقات والتوسع في إنشاء الملاهي ودور السينما والأندية بينما لا يجد كثير من الشعب قوت اليوم. غارقون في الديون والمشكلات الحياتية، إن تكلموا لا يُسمع لهم، وإن حضروا لا يُؤبه لهم؟
الأحزاب السياسية لا هم لها سوى العمل على تسلم السلطة، وتنتظر أن تصل إلى سدة الحكم لكي تغير وجه الحياة في بلادها، وقبل ذلك فهي غارقة في التنظير والمعارك الكلامية والمؤتمرات، أين دورها ومسؤوليتها الاجتماعية؟ لماذا لا تنزل إلى الجماهير للعمل على حل أزماتها؟ حتى الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي تنبني على أيديولوجية ليبرالية اجتماعية تعمل على إعادة توزيع الثروة في ظل اقتصاد السوق، لا تعيش واقع المهمشين، ولا تنزل على الأرض للعمل على تخفيف المعاناة عنهم، مشغولة بمعاركها النظرية عن تلك الفئة المطحونة.
إنه ليتعين على كل قادة الرأي وجميع النخب الثقافية والفكرية والسياسية الاهتمام بهذه الشريحة وإنقاذ المجتمع من الطبقية البغيضة التي تضرب أطناب كل الدول العربية، فاتساع الهوة بين المواطنين بدون وجود لتكافؤ الفرص يعمق التفتت الاجتماعي، ويعد قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

دراما ابن زايد تعلن الحرب على فاتح القسطنطينية

«قد نبشتُ قبور ملوكهم السابقين والمتأخرين الذين لم يخافوا من هيبة آشور، والذين أقلقوا أسلافي …

تعليق واحد

  1. عثمان الأهدل

    استاذتنا الفاضلة أصبتِ كبد الحقيقة المؤلمة في أوطاننا الكرتونية التي صنعتها الطبقية الزائفة والتي تزيد الهوة بين المجتمع لتغرق الدولة في ديون وأزمات إقتصادية.
    قيل في الأثر : ” لاتوجد دول فقير بل توجد دول متخلفة إداريا، ومتى ما نمت إداريا نمت إقتصاديا”. والإدارة هي فن لا يتقنه إلا أصحاب النفوس السوية التي تفقه أبجديات العدل والمساواة.

    أما ما نراه في أرض الواقع هو استعلاء زمام الأمر أصحاب العقول المشوشة عمي البصيرة قاصري الفكر خادمين للطاغوت وأعوانه، اغرقتهم ملذات الدنيا حتى أصبحوا عبيدا لشهواتهم لا يرونا سعادتهم إلا في سحق المزيد من المهمشين، وزج بمن أصبح جلدا على عظم إلى غياهب السجون وظلمات الذل والمهانة دون رحمة ولا عطف.

    خلاصة القول لا أمل منهم إلا باقتلاعهم من الجذور وطوي صفحاتهم المشينة التي جعلت منا سخرية أمام الأمم الآخرى… أتذكر في معرض حديث أحد مسئولي الدول الغربية نعت إحدى الدول العظمى العربية الغنية، قال عنها ” الدولة التي تسرق نفسها “، وقيسي على ذلك بقية الدول الهمجية … عذرا أقصد العربية.

    سيدتي مقالتك هذه تحفة وبها من البلاغة التي تمتع القاريء … قرأتها حتى الأن ثلاث مرات وسأستزيد من رحيقها … لا أعرف ماذا سيحدث لنا لو توقفتي لإسبوع واحد دون نشر مقالة. أكيد سنهجر صفحات الفيس بوك. ولو يعلمون هؤلاء الهبل أن مشروعهم لا قيمة له إلا بنور صفحاتكم ومقالاتكم الساطعة بالفكر والعلم المنير، لاعتذروا لكِ عن حماقتهم بحذف صفحتك الهادفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *