لم يكن طرفة بن العبد مُبالغًا حين أطلق قوله:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقْع الحسام المهندِ
فعندما يُناصبك العداءَ أهلُ الدين والدم والقربى والجوار، حينئذ يفحُش الألم، لكنَّ الإسلام لا يدع أهله حتى يُهيئ لهم سبل الارتقاء بالنفس إلى معالي الأخلاق، وعدم السقوط في هاوية ترْك النفس لمشاعر الغضب، وشدّد على القسط والعدل وضبْط النفس حتى مع من بدت منهم العداوة والبغضاء {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا}.
ولا ينبغي للمكْلوم أن يخلط الأوراق، فهي جريمة الضمير الإنساني، بل يجب أن تبقى الخلافات السياسية حبيسة إطارها، لا تمتد إلى الأرضيات المشتركة، فمن الظلم أن ننسف ما كنا نشترك فيه بالأمس لمجرد أننا اختلفنا اليوم.
أسوق هذه المقدمة، لأنه قد بلغني أن بعض إخوتي الطيبين في قطر قد آلمهم جُرح القطيعة، فنالوا من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، اعتقادا منهم بأنها منهج خاص بأهل السعودية، ونادوا بتغيير اسم مسجد محمد بن عبد الوهاب في الدوحة، والتنديد باستقدام خطباء سعوديين ينتمون إلى ما أسموه المدرسة الوهابية.
وقد أثْلج صدري ما رأيتهُ من ردود الأفعال الصحية لمعظم القطريين تجاه هذه الدعوات، واطمأنّ قلبي إلى وعي الشعب القطري، حيث جاءت تعليقاتهم مُنصفة مُحذّرة من خلط الأوراق.
يا أهلنا في قطر، الوهابية ليست دينا جديدا ولا مذهبا مُستقلا، ما هي إلا دعوة تجديدية قام بها ذلك الشيخ النجدي، لإعادة الجزيرة إلى عهدها السابق من سلامة المنهج، بعد أن غلب عليها طابع الخرافات والبدع والقبورية ودعاء الأموات والاستغاثة بهم، لذا عدّه كثير من أهل العلم من المُجدّدين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة لتجديد الدين بإحياء ما اندثر من تعاليمه كما ورد في الحديث (إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).
فإذا كان محمد بن عبد الوهاب لم يأت بجديد، فلا معنى إذن لتسمية المتأثرين بتلك الدعوة التجديدية بالوهابية، وإلا فكلنا وهابيون لو كانت الوهابية هي إحياء ما كان عليه القرون المفضلة.
قل إن كان تابع أحمدٍ مُتوهّبا فأنا المُقرّ بأنني وهابي
ابن عبد الوهاب ليس نبيا مرسلا، ولا صحابيا عدلا، لكنه كان عاملا لدينه، ينشر العقيدة الصافية المستمدة من الكتاب وصحيح السنة، وهو مع ذلك بشرٌ يُصيب ويُخطئ كغيره من أهل العلم والدعوة، ومع الأسف الشديد، معظم الذين ينتقدونه لم يقرءوا له، وإنما قرأوا عنه ما اجتزأه خُصوم الشيخ من كلامه وقاموا ببتره من سياقه.
لن أتطرق للرد على الشبهات المُثارة حول الشيخ ابن عبد الوهاب ودعوته، فقد تناولته في مقالة سابقة بعنوان “محمد بن عبد الوهاب…هل كان إصلاحيا أم دمويًا تكفيريًا؟” فليطالعها القارئ إذا شاء.
لكنني هنا أخاطب إخوتي القطريين، ألم يكن ذلك المنهج الذي تسمونه الوهابية (والذي ليس في حقيقته سوى منهج السلف) قد نشأتم وتربيتهم عليه؟ هل صبغ حياتكم بالتشدد والتطرف؟ قطعا لا، فإني أشهد كما يشهد العالم أنكم أهل وسطية واعتدال.
إن كنتم ترون أنه قد تم استغلال دعوة الشيخ سياسيا في السعودية في العهود السابقة قبل زمن استهدافها الحالي، فهلا أبقيتم على التمرة وخليتم عنها التراب؟
دونكم حديث وزير الدفاع القطري وزير الخارجية السابق الدكتور خالد العطية، وهو يدافع عن الوهابية ويصفها بالاعتدال وبأنها جاءت بأجيال تتمتع بأفضل مستوى تعليمي.
يا أخوتي الدعوة ليست هي السعودية، والسعودية ليست هي الدعوة، فإذا كان الخلاف مع الأشقاء السعوديين فلماذا يتم إقحام هذه الدعوة بالشأن السياسي.
لو فعل إخوتي القطريون ذلك ردا على ظلم القيادة السعودية، فليعلموا أن ما يسمونه بالمدرسة الوهابية أصبحت مستهدفة اليوم في السعودية من قبل النظام والزمرة الليبرالية المتسلطة.
وأود أن أسأل بعض الطيبين الذين أطلقوا هذه الدعوات – التي لم تلْق قبولا قطريا – هل أطلقت السعودية على الجامع في الدوحة اسم محمد بن عبد الوهاب أم أن الحكومة القطرية من أطلق عليه هذا الاسم؟ ألا يعني ذلك أنه قد ترسخت قناعة لدى قيادتكم السياسية بأهمية إحياء رموز الأمة؟
إخوتي، إن إطلاق مثل هذه الدعوات، يفتح الباب على مصراعيه لتوغل غلاة التصوف والروافض والليبراليين والعلمانيين وأبواق التغريب في وطنكم.
تذكروا يا أهل قطر ما قاله أميركم الشيخ حمد بن خليفة في حفل افتتاح المسجد عام 2011 بحضور جمع كبير من مسؤولي الدولة وممثلي البعثات الدبلوماسية المقيمة بقطر وكبار الشخصيات الإسلامية، تذكروا وهو يدشن لمهمة ذلك الجامع المُستمدة من التوجّه الإصلاحي لمن اختير اسمه عنوانا للمسجد: “إن جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب ينبت من أرض قطر كأنه قطعة أزلية منها، سيكون منبراً للإصلاح والدعوة الخالصة إلى الله عز وجل، بعيداً عن البدع والأهواء بما ينفع الناس في دنياهم مما يواكب روح العصر وبما ينجيهم في أخراهم”.
فليربأ القطريون الطيبون بأنفسهم عن تلك الفتنة التي تشق عصا المجتمع القطري، وكونوا أيها القطريون على قدر المسؤولية وبمستوى نظرة العالم إليكم، ولا تخلطوا الأوراق.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة