أيها الأردنيون ..تعالوا إلى كلمة سواء ..

في ظل الاحتجاجات التي تنتشر في قرى وألوية ومحافظات بلدي الأردن، والتي سال فيها حبر كثيرٌ بين المُحذّر والمُحبّط والمتفائل والغاضب والمُخلص والمدسوس، وبعد عودة مطالب الشارع الأردني المتكرّرة بجملة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، نادت بها منذ عام 2011م- بعد عودتها الى الواجهة ومع الكمّ الكبير من الوعود التي تبخّرت أدراج الرياح مع الوجع الوطني الذي كان شريكاً فيه جُملة من القرارات والخطط الفاشلة التي كبّدت الموازنة العامة للبلاد ديوناً تتلوها ديون، ناهيك عن إملاءات المستعمر الدولي المُتمثّل بصندوق النقد الدولي وسياساته وشروطه وقروضه، إضافة الى حالة إقليمية تموج بين المدّ والجزر والدمع والألم والتشريد والتهجير، ورائحة الدم والبارود..

في خضمّ ذلك كله، يسألني بعض قُرّائي:
[هل مطالب الشارع الأردني صعبة المنال يا احسان]؟!

بداية بات لزاماً علينا الدعوة من جديد للإصلاح السياسي والاقتصادي العاجل دونما ندوات حوارية تُطيل أمد العمل لتحقيق ذلك، بل التوجّه للحلول الجذرية مباشرة، وهي التي تتمثل في جوهرها إعادة البناء للنظام الأردني بمُنحنى يحفظ له استقراره، ويحقق المشاركة الحقيقية للشعب بكل أطيافه في إدارة البلاد وسياساتها الداخلية والخارجية .

ثمّ يُطالعنا بعض من كانوا سبباً في هذا الخراب الكبير في وطني بأن مطالب الشارع الأردني غير قابلة للتحقق أو التطبيق، وأنها مطالب حالمة صعبة المنال، وهنا تستوقفني هذه الدعوات المُضللة للشارع الأردني “بصعوبة تحقق مطالبه” بسؤال معرفي :

هل نحن غير مؤهلين لتحقيق التغيير ؟
أم نحن نخاف من التغيير أصلاً ؟

وهنا لا أريد استيراد تجارب متقدمة في العمل الديمقراطي كالمملكة المتحدة والمملكة الإسبانية والمملكة الهولندية كونها دول ديمقراطية ببُنية ملكية كحال بلادي، فأخشى أن يقفز على شجرة أفكاري قِرْد المُحبِطين المُرجِفين فيقول : ( هذه دُوَلٌ متقدمة وهذه أوروبا ونحن لسنا في أوروبا نحن من دُوَل العالم الثالث ) ، فأجيبه دعنا يا هذا من العالم الأول ! ، و هَلُمَّ بنا لنتجول قليلاً في خارطة العالم الثالث لنرى معاً تجربة [ المملكة المغربية ] مثلاً .

فحالها مثل حالنا تماماً، دولة عربية، ونظامها ملكي نيابي دستوري، وملكها هاشميّ كريم، ومن رَبْعِنا أي من دُوَل العالم الثالث، بل من يطالع ويُناظر ويدققُ الدستور الأردني والدستور المغربي يرى حالة من التشابه والتوأمة والتطابق بينهما كأنهما وُلِدا من رحم واحد .

ففي عام 2011 طالب الشعب المغربي وقواه السياسية والنقابية بإصلاحات دستورية عاجلة وجذرية، تنقذ البلاد من الفوضى التي اشتعلت رويداً رويداً من هدير الاحتجاجات الشعبيّة .
وسارعَ العاهل المغربي الملك محمد السادس للاستجابة لمطالب الشارع المغربي، وقَبِلَ بالتنازل عن عدد كبير من الصلاحيات التنفيذية التي منحها له الدستور المغربي والتي كان منها :
( تعيين رئيس الوزراء وإقالته، وحل البرلمان بغرفتيه، وفرض وإلغاء حالة الطوارئ )
حيث قبل بمبدأ التعديلات الدستورية في هذه القضايا التي تمُسّ جوهر ( الولاية العامّة )، حتى سُمّي ذلك التعديل الدستوري بـ” الدستور الممنوح “، بحيث أصبح ” تعيين الوزير الأول [ رئيس الوزراء ] من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها” وهذا يعني احترام نتائج صناديق الاقتراع ومخرجاتها .

بل ومنحت التعديلات الدستورية للوزير الأول المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية [ أي شؤون البلاد ] وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي.

ثم تابعت العملية الإصلاحية الدستورية احترام الشكل الاجتماعي والعشائري والجغرافي للمحافظات المغربية، مما سُمّي في المغرب بمصطلح ” الجهوية الموسّعة ” فمنحت للمناطق والأقاليم ما يُسمى في بلادي بالمحافظات والألوية والبلديات صلاحيات في الإدارة المحلية بما يتناسب مع طبيعة وعادات وأعراف كلّ منطقة .

والنّاظر اليوم يعلم مدى نجاح التجربة المغربية،
فلقد تم تعديل الدستور بهذه الجملة من الإصلاحات والاستفتاء عليه، و انتخبَ المغاربةُ برلماناً يُمثلهم بشكل نسبي، لدورتين متتاليتين، وفاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية تمنحه حق إدارة البلاد وتشكيل حكومته، فكانت حكومة بن كيران الأولى والثانية من 20 / فبراير / 2011 إلى 5 / إبريل / 2017 ، ثم حكومة د . سعد الدين العُثماني من 20 / يوليو / 2018 ليومنا هذا .

وما زالت عجلة الإصلاح الاقتصادي والداخلي في مملكة المغرب مستمرة في الانطلاق ليومنا هذا بخطوات ثابتة بين مدٍّ و جزرٍ .

وهنا نقول لساسة ومُفكّري وخبراءِ بلدي الأردن، والمتخوّفين من أحلام الشارع الأردني بالتغيير، أحلامنا ليست بِدْعاً أو خيالا ورديّاً، بل هي حقٌّ لأهل الأرض الذين لن يتوانوا لحظة في حماية أرضهم ومُقدّراتهم وقبلها كرامتهم، ولقد أَذِنَ لكم الشارع الأردني بصمته الطويلِ باختيار خمس حكومات منذ 2011 بعضها تم التجديد له ثلاث مرات، بإدارة البلاد واختيار الوزراء وتعيينهم، وكانت النتائج عكس الآمال، وهو ما نُشاهد تبعاته اليومَ من عجزٍ في الموازنة العامة وارتفاعٍ في المديونيةِ ونسِب البطالةِ وضعفِ الصناعةِ والزراعةِ والاستثمار، واختفاء الطبقة الوسطى مع انصهارها بالطبقة الفقيرة التي تمتد بشكل أفقي عريض .

وضعف المناخ السياسي بمخرجات العملية الانتخابية التي أفرزها قانون انتخاب مبتكر من الدوائر الأمنية لتحجيم دور الأحزاب، وتعزيز دور المال السياسي على حساب حُريّة الاختيار، مما أَوْجدَ مجلساً نيابياً يسودُه رجالات الأعمال والنفوذ الأمني وذوي الثّقل العشائري، مجلساً لا يُمثّل آمال وطموحات المواطن الأردني الذي يبحث عنه كملاذٍ آمنٍ من تغوّل الحكومات السابقة، ليشاهد فيه شريكاً للجلّاد إن لم يكن شاهدَ زورٍ على جرائم ما يُسمّى الخطط الإصلاحية.
كل هذا على حساب الكفاءات المتلوّنة المتعددة في جغرافية المعارف والمشارب الوطنية .

وبناء على ما سبق فإن مطالب الشارع الأردني تتمثل فيما يلي : 
– ميثاق إصلاح وطني تُجمع عليه أطياف الشارع الأردني .
– تعديلات دستورية تمنح الاختيار الشعبي لمن يمثّلهم .
– تعزيز دور الأحزاب الفائزة في الانتخابات البرلمانية لقيادة السلطة التنفيذية للبلاد بصلاحيات كاملة . 
– قانون انتخاب عصري حقيقي ينسجم مع الطبيعة والحالة الأردنية .
– حل البرلمان الحالي بغرفتيه.
– إيقاف القوانين المُقدمة للبرلمان الحالي وعلى رأسها قانون الضريبة المعدّل وإيقاف العمل بالقوانين المؤقتة .
– تعزيز الحُريّات العامة بما لا يتعارض مع ثقافة ودين الدّولة .
– محاسبة الفاسدين الذين أوصلوا الأردن لهذا الحال المتعقّد الخَطِر الشائِك وأولهم: الأكثر قربا للقصر .
– تحجيم دور المؤسسات الأمنية والسفارات الخارجية في التدخل في الحياة العامة والقرار الأردني .

وقبل أن يقفز قرود المُحبطين والمُرجفين والسحّحيجة والمنافقين وكُتّاب التدخل السريع وقوى الشدّ العكْسي، والمنتفعين من حالة التّيه التي يعيشها بلدي الأردن.. ويبادروا بمهاجمة هذه الأطروحة التي قرأتها في أعين المتظاهرين وتعليقاتهم ومناقشاتهم الوطنية الجادة العميقة للشأن المحلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أضعها بين أيديكم وأيدي المواطن الأردني والسياسي الأردني والشرائح الأردنية بكافة أطيافها لتداولها وتبنّيها كأساس مَطْلبي وشعبي .. لمناقشتها وتطويرها والبناء عليها ونشرها بينكم وبين أصدقائكم ..

هنا أريد أن ألْفِت انتباهكم أنّ من قرأ تصريحات الملك عبدالله الثاني بن الحسين بالأمس القريب، ومن اطّلع على كتاب التكليف السّامي لدولة رئيس الوزراء د . عمر الرزاز ، سيرى أن هناك رغبةً جادةٍ طموحةٍ متحمّسةٍ للقصر نحو هذا الطّرح التشاركي المُجتمعي، الذي يُعيدُ بناء منظومة السياسية والإدارية في البلاد.
وكأن القصر الهاشمي العامر بات مُتعباً من الشخصيات التي تُحيطه وتغرقه في مصالحها الضيّقة، وتضع الحواجز بينه وبين مطالب و آمال المواطنين .

ومع دعوة الملك رئيس الوزراء المُكلّف بعقد حوار وطني لتحقيق مشروع ” نهضة وطني شامل” أضع هذه الجُملة من الأفكار على طاولة البحث والنقاش والمُدارسة الجادّة، كأرضيّة مشتركة نحو الانطلاق.

فيا أبناء التراب الأردني وما الاردن الا جزء من هذه الأمة، والعمل من أجل الوطن الخاص هو جزء من العمل من أجل الوطن الأكبر، ولا يتعارض مفهوم الأمة مع واجب حماية والعمل على نهضة الدولة القُطرية..

يا أبناء الأردن.. هلمّوا بنا ..
ننقذ سفينة الوطن قبل الغرق .. معاً يدا بيد .. كتفاً لكتف، تتراص الصفوف به لبناء أردنّ جديد، يجمع ولا يُفرّق، يوحّد ولا يُباعد، يُرمّمُ ما أفسدته دناءة اللصوص الفاسدين، ويعيد الحيوية لوجوه أتعبتها تفاصيل القهر والوجع .. وبالإيمان والصدق والعمل الدؤوب الجادِّ يتحقق الأمل ..
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا تَمدّد النفوذ الإيراني؟ !

– لأن التراخي جزء من الرحلة ! ليست كل المشاريع التوسعية عظيمة في ذاتها، لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *