الرئيسية / مقالات / الشأن الإيراني / عُمان بين إيران والخليج…ومغامرة الحياد

عُمان بين إيران والخليج…ومغامرة الحياد

يُحكى أن الضفدع بينما كان يستعد لعبور نهر إلى الضفة الأخرى، إذ بعقرب يطلب منه أن يحمله على ظهره لكي يعبر معه، حيث أنه لا يعرف العوم.

وهنا تساءل الضفدع مستنكرا: كيف أحملك على ظهري وأنت عقرب، ومعروف بأنك تلدغ من يقابلك؟ فكيف أسلمك نفسي؟

طمأنه العقرب بأن حياة كل منهما مرتبطة بحياة الآخر، وأنه إن لدغه فذلك يعني أنهما سيغرقان سويا.

كان الكلام منطقيا بالنسبة إلى الضفدع، والذي استجاب لطلب العقرب، وبالفعل تسلق ظهره، وسبح الضفدع به.

وفي الماء أثناء العبور، فوجئ الضفدع بلدغة ساخنة في ظهره، وعلم أن العقرب قد غدر به، فخارت قواه وسأل صاحبه : ألم تقل لي بأننا سنغرق معا لو لدغتني؟

أجابه العقرب: يا عزيزي أنا عقرب، ولو لم أخدعك وألدغك، لما كنت عقربا.

في تلك القصة الرمزية، انخدع الضفدع أمام منطق المصالح المشتركة الذي أبداه عدوٌ لدودٌ، رغم علمه بأن اللدغ هو من طباع العقرب، لن يتخلى عنه تحت أي ظرف من الظروف، بمعنى أن مهمة اللدغ (استراتيجي) وتأجيله وإرجاؤه (تكتيكي).

سلطنة عمان من الدول التي تغلب الجانب (التكتيكي) على الجانب (الاستراتيجي) في علاقتها مع إيران ودول الخليج.

وفي الوقت الذي يدخل فيه الخليج والسعودية بصفة خاصة في مواجهات غير مباشرة على أرض اليمن ضد الحوثيين أذناب إيران، وفي الداخل مع القلاقل والاضطرابات التي تحدثها الأقليات الطائفية الموجهة، تغرد عُمان خارج السرب، وتنأى بنفسها عن الانحياز طلبا للسلامة.

العلاقات العمانية الإيرانية:

ترتبط سلطنة عمان بعلاقات متينة مع إيران، فرضها الموقع الجغرافي، حيث تقع السلطنة على مرمى حجر من إيران، والمسطحات المائية المشتركة التي تطل عليها الدولتان، حيث أن بحر عمان الذي يمثل أهمية جيوسياسية بالغة باعتباره بحرا دوليا مفتوحا، تقع إيران على ضفته الشمالية، بينما تقع عمان على ضفته الجنوبية والجنوبية غربية، يربط هذا البحر بين المحيط الهندي والخليج العربي عبر مضيق هرمز.

ويعتبر موقع السلطنة هو أحد أبرز مقومات أمنها القومي، والذي بنت عليه نظريتها الأمنية، في علاقتها مع إيران ودول الخليج.

فالرؤية العمانية تجاه إيران تمثلت في السعي لتحالف استراتيجي وسياسي واقتصادي معها، والالتقاء على أرضية المصالح المشتركة، وضرورة إنشاء قنوات مفتوحة للتواصل مع الجارة إيران.

وترى عمان أن ذلك أدعى للحفاظ على أمنها القومي، بدلا من الدخول على خط العداء، وحرصت على عدم الاتساق مع دول الخليج في أي مواقف حادة تجاه إيران.

وفي الوقت نفسه تحاول عمان الحفاظ على علاقتها بدول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها أحد أعضائه المؤسسين، كما أنها تحتفظ بعلاقات جيدة مع أمريكا وبريطانيا، في توليفة سياسية عجيبة تتفرد بها تلك الدولة.

ومن جهة أخرى ترى عمان أن حفاظها على تلك المسافات مع دول الجوار، والنأي عن الدخول كطرف في الأزمات، هو أبرز أدوات الحفاظ على أمنها الداخلي.

ومن مظاهر التعاون بين عمان وإيران في الجانب العسكري، توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين عام 2013م.

كما أجرى الجانبان العديد من المناورات البحرية المشتركة في مضيق هرمز.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فالسوق الإيراني ذو أهمية خاصة لدى الشركات العمانية نظرا للقوة الشرائية العالية بسبب الكثافة السكانية، وفي المقابل تولي إيران الأسواق العمانية أهمية كبيرة بسبب موقع عمان الجغرافي المتميز وانفتاحها على المواني الإفريقية والآسيوية.

وازدهرت العلاقات التجارية بين البلدين وآخذة كذلك في مزيد من التنامي، بعد تدشين إيران لخط ملاحي بين مينائي بندر عباس الإيراني وصحار العماني، وتأسيس شركة مشتركة للاستثمار في المشاريع الهامة.

وقد أنشأت إيران بالفعل غرفة تجارية إيرانية عمانية مشتركة تضم 250 شركة، وأقامت شركة استثمارية مشتركة.

ثم جاء الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، ليدعم التعاون الاقتصادي بين البلدين، وهو ما بث التفاؤل لدى الجانب العماني بأن ذلك سينعكس على اقتصاد السلطنة بشكل إيجابي.

عمان الوسيط:

ولم تقف العلاقات المتينة بين البلدين عند حد التقارب الاقتصادي والعسكري، وإنما لعبت عمان دور الوسيط بين إيران وبين دول الخليج والدول العربية بصفة عامة من ناحية، وبين إيران وأمريكا وبريطانيا من ناحية أخرى.

ففي الوقت الذي دعمت معظم الدول العربية العراق في حربها ضد إيران الخميني، كان لسلطنة عمان موقف مغاير:

رعت عمان مباحثات سرية بين طرفي النزاع من أجل وقف إطلاق النار….

رفضت الدعوات المطالبة بمقاطعة إيران وعزلها على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي عام 1987م…

رفضت السماح للعراق باستخدام أراضيها في الهجوم على جزر “أبو موسى” و” طنب الكبرى” و”طنب الصغرى”…..

بعد انتهاء الحرب، قامت عمان بدور الوساطة بين إيران وبين السعودية لإعادة العلاقات، وهو ذات الدور الذي لعبته في إعادة العلاقات بين إيران وبريطانيا….

كان للسلطنة دور بارز في استمرار الحوار بين مصر وإيران خلال انقطاع العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ الثورة الإيرانية وحتى بداية التسعينيات…

كان لعمان دور بارز في تحرير أسرى مصريين محتجزين لدى طهران خلال الحرب مع العراق…

تمكنت عمان عبر الوساطة من تحرير البحارة البريطانيين لدى إيران عام 2007م، ونفس الشيء فعلته لتحرير رهائن أمريكيين عام 2011م، وذكرت بعض المصادر أن عمان دفعت 1.5 مليون دولار للإفراج عنهم وأرسلت طائرة تنقلهم من إيران….

وكان آخر جهود الوساطة العمانية لصالح إيران في تبني المباحثات السرية حول النووي الإيراني مع أمريكا ودول أوربا منذ عام 2011م، والتي ظهرت للعلن، وتوجت مؤخرا بنجاح المفاوضات بين طهران ودول مجموعة 5+1، والتي جاءت على حساب أمن الخليج بصفة عامة.

دور الوسيط الذي لعبته عمان، ضمن لها تكتيكيا ومرحليا الحفاظ على أمنها الداخلي، وحقق لها الأمان في الجانب الاقتصادي، وزاد من ثقلها السياسي لدى إيران وأمريكا وبريطانيا، ولا ننكر أنها تتمتع بثقل سياسي أيضا لدى دول الخليج، حيث تقوم بدور قناة الحوار والتفاهم بين تلك الدول وبين إيران عند اللزوم.

موقف عمان من الاتحاد الخليجي:

تعارض سلطنة عمان وبشدة، دخول دول مجلس التعاون الخليجي في أي اتحاد فيدرالي أو حتى كونفدرالي، ورفضته صراحة في القمة الخليجية عام 2011م، وهو الأمر الذي تكرر وبصرامة في منتدى الأمن الخليجي بالبحرين عام 2013م، وهددت بالانسحاب من المجلس إذا ما تم إصدار هذا القرار.

وبالإضافة إلى ذلك تغرد عمان خارج السرب الخليجي في معظم توجهاته ومواقفه تجاه الأزمات والقضايا في المنطقة، ومن ذلك موقفها تجاه عاصفة الحزم والعمليات العسكرية على الحوثيين في اليمن، حيث نأت عمان بنفسها عن ذلك الصراع، نظرا لأنها ترتبط بإيران بعلاقات حميمية، وفي الوقت نفسه يتعارض ذلك التدخل مع سياستها الثابتة في عدم التدخل في شؤون الغير، بالإضافة إلى مخاوف أخرى من جراء القرب الجغرافي من اليمن.

تقييم السياسة الخارجية العمانية:

حقيقة لا أستطيع أن أخفي إعجابي بهذه السياسة العمانية في الحفاظ على المسافات بهذه الدقة، غير أن هذه السياسة تشوبها عدة سلبيات، منها أن سياسة انتهاج الحيادية في تلك المنطقة المشتعلة لا يمكن أن يدوم، وطبيعة الصراع في المنطقة يفرض على عمان التلاقي مع القوى التي تحقق مصالحها الاستراتيجية وليس المرحلية.

كما أن عمان تتعامل مع إيران على أرضية المصالح المشتركة كجزء من مقومات أمنها القومي، رغم علمها بأن إيران ليست دولة عادية لها حدودها الجغرافية وسقفها السياسي، وإنما إيران لها مشروع توسعي قومي طائفي، وهذا لم يعد محل خلاف، ومن ثم فإن هذه الحيادية والحفاظ على المسافات التي تتبعها الأردن، لن يضمن لها أن تكون خارج نطاق الاستهداف الإيراني.

وفي الوقت نفسه تغفل عمان أو تتغافل عن النفوذ الشيعي الداخلي، نعم عمان أكثر الدول هدوءًا في المشاكل الطائفية، لكن هناك نفوذ شيعي قوي في الداخل العماني، وبروزهم الاقتصادي وتغلغلهم في الهيكل الإداري للدولة رغم أقليتهم لا يمكن الإغفال عن خطورته، نظرا لأن الشيعة الإمامية ولاؤهم لإيران وفق نظرية ولاية الفقيه.

وقد يفاجأ بعض القراء عندما يعلمون أن هذا التنفذ الشيعي في عمان، يظهر رغم الخلاف الجوهري بين طائفة الشيعة الإمامية وبين الإباضية الذين يمثل مذهبهم المذهب الرسمي للدولة، ومن المعروف أنهم امتداد لفرقة الخوارج، والتي تقف على النقيض من الشيعة في الموقف من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما يعكس قوة التوغل والتأثير الشيعي في عمان.

قبل أن يلدغ العقرب:

ألتمس العذر لعمان في رفض مشروع الاتحاد الخليجي، ودعونا نتحدث بصراحة، فالعلاقات بين دول الخليج التي يشوبها القلق والتخوين وانعدام الثقة، لم تقطع خطوات للتكامل سابقة على الاتحاد.

فلئن كنا ننادي دائما ونتمنى أن يكون هناك اتحاد خليجي، إلا أن الواقعية تفرض علينا ألا نقفز إلى النتائج دون الأخذ بالطرق والأسباب المؤدية إليها.

لكن في الوقت نفسه، لابد وأن تعمل عمان على تقوية ودعم هذه الجوانب والأدوات التي تحرك القافلة صوب الاتحاد الخليجي، لا أن تقف بمعزل عن السياق العام للمجلس.

مطلوب من عمان أن تدرك أن أكبر ضامن لأمنها القومي هو الانخراط والانصهار مع دول المجلس رغم كل ما يشوبه من سلبيات، إلا أنه هو السبيل الوحيد، وليس الارتماء في أحضان إيران أو تغليب النظر إلى المصالح الآنية على المصالح العليا الاستراتيجية.

على سلطنة عمان التخلص من هواجس الهيمنة السعودية، وهو الهاجس المشترك بين دول الخليج كلها تقريبا، بسبب الطبيعة التنافسية بين الأسر الحاكمة في الدول الخليجية، فالتقارب الخليجي والوحدة الخليجية والاتحاد الخليجي، ليس “جلسة عرب” يتم فيها “الدردشة” على بعض المصالح، فحتما سيكون هناك ضمانات ترضي جميع الأطراف، لكن لا نستبق الأحداث ونحلم بهذا الاتحاد قبل اكتمال أدواته.

على الأقل نسعى لتوحيد الرؤى في الملفات الخارجية والأزمات الناشبة في المنطقة، على رأسها الموقف من المشروع الإيراني، والأزمة السورية والعراقية واليمنية.

غير منطقي أنه في الوقت الذي تقود فيه السعودية التحالف العربي حربا ضد الذراع الإيراني في اليمن ممثلا في الحوثيين وعناصر من الحرس الثوري الإيراني الذين رصدتهم المقاومة، أن تغرد عمان خارج السرب، وتخرج عن السياق الخليجي في الأزمة، ثم تقوم عمان في الوقت ذاته بتوقيع اتفاقية مع إيران لترسيم الحدود البحرية في منطقة بحر عمان بحضور محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني.

والقول بأنه شأن داخلي غير مقبول، فعمان جزء من مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يفرض على الأقل انسجام المواقف في تلك المواطن الشائكة لا تعارضها.

فهذه الاتفاقية الحرجة ذات الأبعاد الغامضة، لا يعقل أن تتم بمعزل عن الأسرة الخليجية، وكما ذكر بعض المحللين، أنها بالإمكان أن تكون ورقة رابحة في التفاوض مع إيران بشأن القضايا العالقة مع دول الخليج، فلماذا أحرقت عمان تلك الورقة؟ لا إجابة سوى أن عمان تتصرف بشكل منفرد في قضايا شائكة في منطقة الخليج، وهو ما يخشى منه على السلطنة نفسها، فالعقرب الإيراني لن يتورع عن اللدغ إذا ما واتته الفرصة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *