لم تعد الرياضة خاصة كرة القدم، مجرد مجال ترفيهي، بل أصبحت متداخلة مع النشاط السياسي والاقتصادي في كل دول العالم، ولم يعد فصلها عن الصراعات السياسية ممكنًا، مهما رُفعت شعارات الحياد والاستقلالية في خطابات المؤسسات الرياضية.
وقد تتحول الملاعب إلى مسارح مواجهة موازية بين الدول المتصارعة، وتصبح سلوكيات الفرق وهتافات الجماهير امتدادًا لخرائط النفوذ وموازين القوى.
في هذا السياق، تتجاوز مشاركة إيران في كأس العالم 2026 – الذي تقام نسخته الحالية في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا- حدود المنافسة الرياضية، في ظل الصراع العسكري الذي اندلع بينها وبين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، لتبدو هذه المشاركة من أكثر مشاهد هذا الحدث الرياضي تعلقًا بالحروب والصراعات.
السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يعنيه أن تشارك إيران في أكبر حدث رياضي عالمي تستضيفه الولايات المتحدة التي دخلت مع طهران في حرب تتخللها أوقات تهدئة ومفاوضات وتهديدات وتصعيدات؟ ولماذا حرصت إيران على المشاركة على الرغم من حجم الدمار الذي تعرضت له جراء الحرب، وهي أمور من شأنها أن تعرقل الأنشطة والاستحقاقات الرياضية؟
على الرغم من أن رياضة كرة القدم تمثل إحدى أدوات القوة الناعمة بالنسبة لإيران شأنها شأن غيرها من الدول، إلا أن دخولها المونديال في ظل هذه الأجواء المشتعلة، يأتي باعتباره امتدادًا للمواجهة مع الولايات المتحدة، وجزءًا من معركة الصورة التي تود أن يراها العالم بأسره، وتعزيزًا لروايتها حول الحرب والسلام، والترويج لأنها دولة منخرطة في المجتمع الدولي.
تسعى لإيران من خلال المشاركة في المونديال إلى طرح نفسها كدولة تمتلك حضورًا طبيعيًا في المحافل الدولية لا يُختزل في الملفات الأمنية والعسكرية.
تعد المشاركة الإيرانية فصلًا في حرب الروايات، إذ تعزز هذه المشاركة الرواية الإيرانية التي تزعم الانتصار في الحرب ضد الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
دخول الفريق الإيراني بتأشيرات أمريكية، وخوضه مباريات على ملاعب أمريكية، ووسط جماهير أمريكية، ورفع أعلامها فوق أراض أمريكية، في ظل هذه الأجواء المشتعلة، مستهدف إيراني لتعزيز هذه الرواية، يساعدها في ذلك أن الاتحاد الأوروبي الذي يسيطر على الفيفا لم يتخذ موقفًا عدائيًا من إيران خلال صراعها مع الولايات المتحدة، حتى أن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جاني إنفانتينو قد تباهى في تصريح له بأن مشاركة إيران في كأس العالم رغم نزاعها مع الولايات المتحدة تمثل إنجازًا للمنظمة التي يترأسها.
تستهدف إيران من خلال الحرص على المشاركة بهذه النسخة من المونديال – رغم الظروف الأمنية والعسكرية والاقتصادية الصعبة- استمالة تعاطف شعوب العالم معها، لأن هذه المناسبة يجتمع فيه الناس من جميع أجناس الأرض، فهي فرصة لإيران لإعادة تعريف نفسها على مستوى الشعوب، وقطعًا لن يمر أي حدث في المونديال يتعلق بإيران مرور الكرام، سيكون موضع اهتمام بالغ من الكاميرات والمحللين الرياضيين والسياسيين والمنابر الإعلامية، ما يعد ترويجًا مجانيًا لإيران يدفع الشعوب لمتابعة جادة للشأن الإيراني بما في ذلك مسألة العقوبات المفروضة عليها.
ولأن المونديال في نسخته الحالية تتعامل معه إيران على أنه معركة سياسية واستعراض للقوة، فقد دخلت ولديها حساسية شديدة تجاه أي أنشطة عدائية محتملة في مدرجات الملاعب، فقد حرص وزير الرياضة الإيراني أحمد دنيامالي على توجيه رسالة واضحة إلى الفيفا، بأن أي شعارات سياسية أو رفع لافتات غير مسموح بها خلال مباريات المنتخب الإيراني، قد يدفع البعثة إلى اتخاذ قرار حاسم بمغادرة أرضية الملعب، وفقا لوكالة الأنباء الإيرانية.
الانقسامات بين الإيرانيين حول النظام الحاكم تلقي بظلالها على مونديال 2026، فالشعب الإيراني لا ينظر إلى المنتخب الإيراني لكرة القدم نظرة واحدة، فهناك قوى وجماهير المعارضة في الداخل والخارج ترى أن المنتخب جزء من صورة النظام الحاكم وأدواته الرمزية.
هذه الحقيقة ماثلة أمام المنتخب وجهازه والوزارة القائمة عليه، وهي إحدى التحديات التي يخشاها النظام الإيراني خلال المونديال، فهو يحذر من تحول المدرجات إلى ساحة للمعارضة في الخارج تعبر فيه عن سخطها على النظام الحالي، ولذا شددت السلطات الإيرانية على حظر استخدام العلم القديم المعروف بـ “الأسد والشمس” والذي أصبح رمزًا تتبناه المعارضة الإيرانية في الخارج، مؤكدة على أن العلم الإيراني الحالي هو الوحيد المعتمد.
كذلك خوض المنتخب الإيراني جولتين من ثلاث في لوس أنجلوس التي تعتبر مركزًا حيويًا للجالية الإيرانية، يثير المخاوف حول تحول المدرجات إلى ساحة مهاترات وهتافات سياسية، سواء بين الجمهور الإيراني والجمهور الأمريكي، أو كانت من قبل المعارضين الإيرانيين في الخارج المناهضين لنظام الملالي.
ومما يسهل على إيران مهمتها في المونديال، حرص الولايات المتحدة على إظهار نجاحها في هذا الاختبار الحساس، فالإدارة الأمريكية تسعى لإبراز الفصل بين الالتزامات الرياضية الدولية، والحسابات الأمنية والسياسية، خاصة وأن أي ضغوط واضحة غير مبررة قد تمارسها ضد المنتخب الإيراني سوف يكون دليلًا على إخفاقها في استضافة هذا العرس الرياضي العالمي، ما يعد دعاية سلبية لها.
على الرغم من مشاركة إيران سبع مرات في نهائيات كأس العالم بينها الثلاث نسخ الأخيرة، إلا أن هذه المرة تعد استثنائية، لأنها لا تشارك بفريقها في مجرد استحقاق رياضي، ولكن بقائمة من الأهداف السياسية للنظام.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة