ازدواجية المعايير في السياسة… حين يصبح الموقف هوى لا مبدأ

‏عجيبٌ أمر بعض الناس….

‏إذا وقّعت السعودية أو قطر أو الإمارات أو أي دولة عربية صفقةً اقتصادية مع الولايات المتحدة، قامت القيامة ولم تقعد، وارتفعت أصوات الوعظ والتحريم والتخوين وتردد عبارة: ( دفعتم الجزية للبيت الأبيض ولترامب صاغرين ) !! ، وكأن العلاقات الدولية تُدار في القرن الحادي والعشرين بالخطب الحماسية لا بالمصالح والتوازنات والاقتصاد.

‏فإذا قيل لهم: هذه صفقات واستثمارات واتفاقيات تعقدها جميع دول العالم شرقًا وغربًا، قالوا: لا… هذه أموال ذهبت إلى ترامب وخزينة الدولة التي تدعم ذبح إخوتنا في غزة !

‏حسنًا…

‏يا من ناديتم بمقاطعة موسم الحج للعلاقة الاقتصادية السعودية الأمريكية ..

‏طيب .. إذا كانت كل ريالات الحج تذهب إلى ترامب كما تزعمون، فلماذا لا نراكم تقاطعون كأس العالم الذي تستضيفه أمريكا نفسها؟

‏ولماذا يتسابق بعضكم اليوم لحجز التأشيرات والفنادق والتذاكر أملاً في مشاهدة المباريات على أرض ترامب شخصيًا؟

‏أم أن الدولار يصبح حلالًا إذا دخل من بوابة المدرجات، وحرامًا إذا دخل من بوابة الحج؟

‏أم أن الطائرة المتجهة إلى مكة تموّل ترامب، بينما الطائرة المتجهة إلى نيويورك وميامي ولوس أنجلوس تذهب إلى كوكب آخر؟

‏ثم إن السؤال الأهم:

‏هل اكتشف هؤلاء فجأة أن الدول تعقد الصفقات؟

‏وهل هناك دولة في العالم لا تشتري ولا تبيع ولا تستثمر ولا تتفاوض مع خصومها وحلفائها؟

‏الصين تفعلها.

‏وروسيا تفعلها.

‏وأوروبا تفعلها.

‏وتركيا تفعلها.

‏وإيران نفسها تفعلها عبر الوسطاء منذ عقود.

‏لكن المشكلة ليست في الصفقات.

‏المشكلة أن بعض الناس لا ينظرون إلى الفعل نفسه، بل إلى الفاعل.

‏فإن أحبوه أطلقوا على فِعلته “حكمة سياسية”.

‏وإن كرهوه سموه “خيانة”.

‏وإن فعله حليفهم صار “فقه مصالح”.

‏وإن فعله خصمهم صار “بيعًا للأمة وعمالة للعدو”.

‏لقد تحول بعضهم إلى محاسبٍ دولي لا يراجع إلا دفاتر الآخرين، بينما يتغافل عن التناقض الهائل بين شعاراته وسلوكه.

‏فهو يدعو إلى مقاطعة الحج لأن المال -كما يزعم- سيصل إلى ترامب…

‏ثم يحلم بالسفر إلى أمريكا نفسها، والإنفاق في فنادقها وأسواقها وملاعبها ومطاراتها، ويعد ذلك إنجازًا شخصيًا وصورةً تذكارية تستحق النشر والتفاخر.

‏ولعل المشكلة الحقيقية ليست في ترامب، ولا في الحج، ولا في الصفقات…

‏بل في تلك القدرة العجيبة على اختراع معيارين للأشياء:

‏واحد للخصوم…

‏وآخر لأنفسهم…

‏فإذا جاء الهوى بطل المنطق،

‏وإذا حضرت العصبية غابت المبادئ،

‏وإذا تكلمت الكراهية أصبح التناقض فضيلةً لا تُرى إلا عند أصحابها…

‏

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

«آسف».. تلك التي تُطفئ النار

(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث نبوي شريف يقرر حقيقة ما جُبل عليه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *