ليس كل من جلس على “عرشٍ” ملكا… ولا كل من حمل لقبا صار سيدا…
فكم من رجلٍ تهابه الأمم وهو في الحقيقة عبدٌ لشهوةٍ أو طمعٍ أو خوف، وكم من إنسانٍ بسيطٍ لا يملك من الدنيا إلا قوت يومه، لكنه يملك نفسه فلا تملكه الدنيا.
أكثر البشر يظنون أن السيادة تأتي من الخارج: من المال، أو المنصب، أو التصفيق، أو النفوذ، أو كثرة الأتباع….
لكن الحكماء عبر التاريخ كانوا يعلمون أن أعظم الممالك هي تلك التي لا تُرى بالعين؛ مملكة النفس….
كانوا يقولون: “من ملك نفسه عند الشهوة والغضب والخوف فقد ملك ما هو أعظم من المدن والقلاع.”…
ولذلك لم يكن الأنبياء سادة لأنهم كانوا أغنياء، ولا لأن الجموع كانت تهتف بأسمائهم، بل لأنهم تحرروا من العبودية لكل شيء إلا الله.
فالإنسان لا يبلغ القمة وهو راكع لشهواته، ولا يصعد وهو مشدود بسلاسل رغباته، ولا يصبح حرا وهو يلهث خلف كل ما يلمع.
إن كثيرا من الناس يبيعون أعمارهم كلها مقابل أشياء لا تساوي أعمارهم:
– يبيع أحدهم كرامته من أجل وظيفة …
– ويبيع آخر قناعاته من أجل منصب ..
– ويبيع ثالث مبادئه من أجل تصفيق عابر…
= ثم يظنون أنهم ربحوا.
وما علموا أن أثمن ما في الإنسان هو نفسه، وأن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال، بل فقر العزة….
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.”
وهذه ليست مجرد عبارة دينية، بل قانون من قوانين الحياة؛ فكل من طلب قيمته من الناس ظل أسيرا لهم، وكل من استمدها من مبدأ أعلى عاش حرا ولو كان وحيدا…
ولذلك كان الفلاسفة يرددون أن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس انتصاره على خصومه، بل انتصاره على نفسه.
الناس بالعادة يصفقون لمن يهزم مدينة، لكن الحكماء يعجبون بمن يهزم شهوة…
والناس بالعادة يرفعون من شأن من يملك رقاب الآخرين، لكن العقلاء يجلّون من يملك زمام روحه.
وليس العجب ممن يرفض الذهب إذا لم يُعرض عليه، وإنما العجب ممن يُعرض عليه الذهب فيرفض أن يبيع به ضميره…
وليس العجب ممن لا يجد الحرام، وإنما العجب ممن يستطيع الوصول إليه ثم يعرض عنه لله….
هناك رجالٌ لا يملكون قصورا لكن في نفوسهم مهابة القصور….
ولا يملكون جيوشا لكن في أرواحهم ثبات الجبال…
ولا يملكون ألقابا لكن لهم من الوقار ما يجعل الألقاب تزداد شرفا إذا اقترنت بأسمائهم….
هؤلاء فهموا سرا عظيما غاب عن كثير من البشر:
أن العزة ليست أن تكون فوق الآخرين..بل أن تكون فوق شهواتك.
وأن السيادة ليست أن تأمر الناس… بل أن تأمر نفسك فتطيع.
فإذا استطعت أن تمنعها حين تشتهي…
وأن تُمسك زمام جموحها حين تغضب…
وأن تثبت بها حين يخاف الناس …
وأن تحافظ على كرامتك حين يبيعها الآخرون …
= فقد بلغت مرتبة لا تمنحها جامعة، ولا يكتبها سلطان، ولا يشتريها مال.
عندها تصبح سيدا حقيقيا… ولو عشت عمرك كُلّه ومِتَّ دون لقب أو جاه أو ذهب.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة