ليس عقابًا… بل تربية إلهية

ثمة لحظات في حياة الإنسان لا يأخذ الله فيها بعض الناس من حوله…

بل يأخذ فيها الجميع دُفعة واحدة ..

لا يبقى صديق يفهم…. ولا قريب يُواسي…

ولا باب يفتح في الوقت الذي اعتدتّ أن يُفتح فيه…

فتظن لأول وهلة أن هذا عقاب…. !

ثم تمضي السنوات فتكتشف أنه كان تربية….

يقول ابن عطاء الله: “ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.”

فليس كل منع حرمانا…. ولا كل وحدة خذلانا.. ولا كل باب مغلق علامة غضب.

فكم من إنسان كان متعلّقا بالأسباب أكثر من تعلقه بمسبب الأسباب….

وكم من قلب استند إلى الناس حتى كاد ينسى أن الناس أنفسهم فقراء إلى الله.

تأمل السيدة هاجر عليها السلام… لم يكن معها جيش… ولا قبيلة… ولا مدينة..

ولم يكُن عندها ماء…

كانت امرأة وحدها في وادٍ لا زرع فيه ولا أنيس…. حتى إن أول سؤال خرج من قلبها لم يكن: كيف سأعيش؟

بل: “آلله أمرك بهذا؟”

فلما علمت أن الله هو الذي أمر، قالت كلمتها التي هزمت الخوف كله:

“إذن لا يضيعنا الله.”

لم تقل: إذن سأفهم الحكمة.

ولا:

سأرى الحل…

ولا:

دعني أعرف الطريق…

بل اكتفت بمعرفة صاحب الطريق….

وهذا هو الفرق بين اليقين والاطمئنان المؤقت….

– اليقين أن لا ترى شيئا يطمئنك… لكن يبقى الله كافيا لك…

* تأمل مريم عليها السلام… حين جاءها المخاض لم تكن في قصر… ولا بين أهل.

ولا مُحاطة بمن يحبونها… بل كانت وحدها .. تحت نخلة….

حتى قالت من شدة الألم: ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾.

ومع ذلك كان الفرج يقترب وهي لا تراه….

كم يشبه هذا حياتنا ؟!

كم مرة ظن الإنسان أن كل شيء انتهى…

بينما كانت النجاة على بعد خطوة واحدة فقط….

* قال سفيان الثوري:

“إذا أحب الله عبدا قذف به إلى نفسه.”

أي أن الله يقطع عنه أحيانا ما اعتاد الاتكاء عليه حتى يتعلم السير إليه وحده.

ولهذا فإن أخطر أنواع الفقر ليس فقر المال…

بل فقر السند…

وأشد أنواع الابتلاء ليس الألم….

بل أن تشعر أنك تواجه الألم وحدك.

لكن الحقيقة التي لا نكتشفها إلا متأخرين:

أن الله لا يترك عبده وحيدا .. وإنما يفرغ المكان من كل سند مؤقت ليعرّفه بالسند الذي لا يموت….

فالناس يمرضون .. ويتغيرون. .. ويرحلون… ويختلفون… ويكبرون ويشيخون ..

وتأكلهم ظروف الحياة وتغلبهم مشاغل الدنيا ومسالكها ..

أما الله فلا يغيب…

ولهذا كان السلف يقولون: “من وجد الله فماذا فَقَد؟

ومن فَقَد الله فماذا وجد؟”

ومع ذلك فليس المقصود أن يعتزل الإنسان الناس… ولا أن يزهد في الحب…

ولا أن يرفض العون…. فالشرع أمرنا بالأخذ بالأسباب.

لكن الفرق بين المؤمن وغيره أن المؤمن يجعل الأسباب في يده…

ولا يجعلها في قلبه….

يحب الناس… لكن لا يعبد وجودهم.

ويفرح بالسند… لكن لا ينهار إذا غاب.

ويشكر من وقف معه… لكنه يعلم أن الله هو الذي أرسله.

فإذا جاء اليوم الذي وجدت نفسك فيه وحدك في معركة لا يفهمها أحد…

فلا تسأل أولا: لماذا تركني الجميع؟

بل اسأل:

ما الذي يريد الله أن يعلمنيه الآن؟

فربما كانت تلك الوحدة التي كسرت قلبك يوما…

هي نفسها التي بنت روحك كلها..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

بن غفير رجل الأزمات…هل يكون وريثًا لنتنياهو؟

على الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو قد هيمن على الحياة العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *