أنا أتفهم الكره لدولة الاحتلال الصهيوني الذي أشارك فيه الكارهين.. بل وأتقرّب إلى الله في كرهه والإشارة إلى جرائمه منذ صار لي قلم وصوت ..
جرائمها في غزة، في الضفة الغربية، في لبنان، في تاريخ هذه المنطقة، ليست محل خلاف على الإطلاق..
قتل الفلسطينيين، الحصار، التهجير، الاستيطان، كلها وقائع موثقة لا تحتاج إلى مزايدة….
وأتفهم مشاعر الفرح بكل ما يُظن أنه يؤذيها….
لكن دعونا نتوقف لحظة بعيدا عن الانفعال…
ليس كل حدثٍ يُشعرنا بالشماتة يكون في مصلحة قضيتنا….
في السادس من أكتوبر 2023 كانت غزة محاصرة، نعم، لكنها كانت قائمة بذاتها من الداخل، مجتمعا حيّا، كثافة بشرية، بنية اجتماعية، أفق سياسي ولو كان معلقا.
كانت الأرض الوحيدة التي تلامس حدودا عربية ولها منفذ بحري….
كانت ركنا لا يمكن تجاوزه في أي حديث عن دولة فلسطينية….
اليوم، غزة مدمرة، سكانها موزعون بين النزوح والمقابر، والحديث الدولي يدور حول “اليوم التالي” لا حول الدولة….. فهل هذه خسارة لإسرائيل؟
دفعت ثمنا اقتصاديا وبشريا، نعم.
لكنها خرجت بمكاسب استراتيجية كبرى:
-توحيد جبهتها الداخلية
-توسيع هامشها العسكري
-إعادة تعريف العدو الأول في المنطقة…
وفي خضم ذلك، كرّست إيران نفسها في نظر كثير من العرب كخصم مباشر، بعد أن امتدت نيرانها إلى عواصم عربية، وصواريخها لم تعد “عابرة” في الخطاب الرسمي، بل مستهدِفة…
ألا يستوي أن نكون ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران…
وضد استهداف إيران للعواصم العربية….؟
الجرائم لا تُبرَّأ بجرائم مضادة….
ودعم المقاومة لا يعني إعطاء صك براءة لأي نظام من دماء شعوب عربية أخرى….
أهل غزة قد يحزنون على مقتل خامنئي، وهذا مفهوم في سياق دعمهم العسكري..
وأهل سوريا والعراق ولبنان واليمن قد يفرحون بسقوطه، وهذا مفهوم في سياق ما ذاقوه من الميليشيات الدموية المرتبطة بإيران والتي قتلت ونكّلت وشرّدت الملايين منهم…
كلا الشعورين مفهوم….
لكن أين نقف نحن؟
نقف حيث يجب أن يقف كل صاحب عقل:
– ضد الاحتلال الصهيوني وجرائمه…
– وضد المشروع الإيراني بمليشياته وعماماته وأكاذيبه حين يمدّ يده إلى العواصم العربية ويتسلّل تحت مظلة تحرير فلسطين..
– وضد تحويل أوطاننا إلى ساحات رسائل….
لا تقبل بأن يتم اختزالك في خيارين يا عزيزي….
وعلينا أن لا نقبل بأن يُحشر وعيُنا بين “إما إيران أو إسرائيل”…
الخبث والعدوان ليسا حكرا على جهة واحدة….
والمجرم لا تُبرئه ديانته ولا شعاراته….
من يقول إن سقوط النظام الإيراني يعني تسليم المنطقة لإسرائيل يتجاهل حقيقة بسيطة:
– الدول الوطنية العربية القائمة ” الأردن، مصر، دول الخليج وهي السد الحقيقي أمام التوسع، لا الميليشيات الطائفية العابرة للحدود…
الأردن القائم يمنع الفوضى.
مصر القوية تمنع الانهيار.
الخليج المستقر سند اقتصادي وسياسي….
أما من يطلب من البقية أن تحترق بلادهم كي يثبت موقفه، فهو لا يخدم إلا مشروع التفريغ الكامل….
المعركة اليوم ليست معركة شعارات، بل معركة بقاء دول….
وتمسكنا بدولنا ليس خيانة لفلسطين، وتفريطنا ببلادنا لا ولن يخدم فلسطين ..
بل تمسّكنا باستقرار بلادنا شرطا لأي دعم حقيقي لها….
عند الله تجتمع الخصوم وحاشا لله أن تضيع المظالم عنده سبحانه ….
لكن في السياسة، لا نملك ترف العمى….
لسنا مع هذا المعسكر ولا مع ذاك.
نحن مع أوطاننا التي تُطوّق حدودنا و بيوتنا ومساجدنا وتفاصيل أيّامنا أولا…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة