كنّا أنقى سريرة، وأصفى قصدا، وأخفَّ حملا…
لا لأن الحياة كانت أيسر … بل لأن قلوبنا كانت أوسع من أن تختنق بما ليس لها أو فيها….
كنّا فقراء أكثر…نعم .. لكننا لم نكن نعدّ الفقر نقصا ..
بل كنا نعدّ الانشغال به نقصا…
كنا نستيقظ على يقينٍ لا يساوم: أن ما كُتب سيأتي،
وأن ما قُسِم لن يُفوّت،
فنتفرغ للمعنى الذي لا يقوم إلا بنا: أن نحيا لله عبيدا له وحده كما أرادنا.
ألم يقل الله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾؟
فلماذا نقلنا السماء إلى الأرض… ثم ضقنا بها؟
كنّا أصغر سنّا… لكننا كنّا أكبر روحا.
لم تكن عضلاتنا أقوى، لكن قلوبنا كانت أصلب.
كنّا نقترب من المخاطر، لا لأننا نهوى التهلكة، بل لأننا كنّا نهوى المعنى.
لم نكن نبحث عن النجاة… بل عن الصدق.
كنا نعلم – ببداهة لم تُدرَّس – أن الخوف إذا سكن القلب،
خرجت منه أشياء أكبر: الكرامة… والجرأة… والحق.
بالأمس…
لم نكن نغضّ أبصارنا إلى الأرض… بل كنّا نرفعها إلى السماء.
كنا نستحيي من الله أكثر مما نخشى الناس
فكان الحياء يرفعنا… لا يُخفضنا.
أما اليوم، فقد صرنا نخفض أبصارنا عن الأرض…
لأننا لم نعد قادرين على رفعها إلى السماء ولله المُشتكى…
كنّا نحمل هموما أكبر منا…
– هَمّ أمة كاملة
– وقضايا تتجاوز أعمارنا … ومع ذلك…
كنّا نبتسم.
لم تكن الضحكة ترفا، بل كانت دليل حياة.
كنا نختلس الفرح كما يُختلس النصر، ونسرق من الزمن لحظات
لا يملكها إلا من لم يستعبدهم القلق.
يقول ابن القيم عليه رحمة الله: “في القلب فاقةٌ لا يسدّها إلا الله.”
ولعلّنا لم نكن نعرف هذه العبارة يومها… لكننا كنّا نعيشها.
أما اليوم، فنحفظها…
ولا نجدها….
كانت أحلامنا في السماء… لا لأننا نُحسن الحلم،
بل لأننا كنا نحسن الاحتقار: احتقار ما لا يليق أن يكون غاية.
لم تكن الأرض تستحق أن تكون حلما، بل كانت مجرد طريق.
كنت أنام… ولَديّ ما أحيا لأجله …
وأستيقظ… ولديّ ما أعبأ به.
كنت أحفظ أذكار النوم كاملة، لكن النوم كان يسبقني…
لأن القلب كان مطمئنا ..
أما اليوم…
فنستدعي النوم بكل وسيلة، نُحيط أنفسنا بالهدوء، نُطفئ الأنوار،
نُثقل أجسادنا بالمنوّمات وتمارين التنفس ….
لكن القلوب ما تزال مستيقظة.
وهنا المفارقة التي لا نحب أن نعترف بها:
لسنا أقل راحةً لأننا نملك أقل… بل لأننا فقدنا الذي كان يجعل القليل كثيرا.
فالأرق ليس في العين… بل في القلب.
والتعب ليس في الجسد… بل في غياب المعنى.
أكرر: لم نكن أفضل لأننا كنا فقراء
ولا صرنا أسوأ لأننا أصبحنا أغنياء…
لكننا كنّا أقرب… ثم ابتعدنا.
ولعلّ الطريق ليس أن نعود إلى الأمس…
بل أن نستعيد منه شيئا واحدا:
أن نعرف لماذا كنّا ننام مطمئنين…
ونستيقظ ونحن نعلم أن للحياة معنى أعمق من الحياة نفسها…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة