على مدى عقود، شكلت سوريا حجر الزاوية في المشروع الإقليمي الإيراني الذي انطلق منذ قيام ثورة الخميني 1979، فلم تكن سوريا الأسد حليفا سياسيا لإيران فحسب، بل هي عقدة جيوسياسية مفصلية تربط إيران بامتداداتها في المشرق، وتمنحها عمقًا استراتيجيا يصل إلى شرق المتوسط.
فمنذ ثمانينيات القرن المنصرم، بنت إيران علاقتها مع سوريا على أساس تبادل المصالح، دعم عسكري وسياسي إيراني، مقابل موقع جغرافي استثنائي سوريي مكّن إيران من مرور مصالحها عبر الأراضي السورية، وترسيخ حضورها في لبنان عن طريق حزب الله، كأداة لتوسيع شبكة نفوذها الإقليمي.
عندما انطلق ما يعرف بثورات الربيع العربي والتي كانت بدايتها من تونس، وقفت إيران موقفًا مؤيدًا لهذه الثورات، بل اعتبرتها امتدادًا للثورة الخمينية، وحاولت الربط بين هذه الثورات والثورة الإيرانية، لكن الثورة السورية كانت مستثناة من هذا الدعم الإيراني.
فخلافًا لموقفها المؤيد للثورة في تونس ومصر واليمن وليبيا إضافة إلى الاحتجاجات في البحرين، لم تعترف إيران ولا حلفاؤها بالثورة السورية، بل سعت مبكرًا لدعم بشار الأسد لقمع هذه الثورة، فبعد أسبوع واحد من اندلاع الثورة، عثرت السلطات التركية على شحنة أسلحة إيرانية كانت متجهة إلى سوريا.
أغرقت طهران نظام بشار بالدعم الكامل، سواء كان دعمًا اقتصاديًا، أو عسكريًا، حيث دعمته بالسلاح والخبرات والمقاتلين من الحرس الثوري الإيراني.
وقد أظهر الباحث السياسي فادي شامية من خلال ورقة إسهام بحثي في كتاب “المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية” الصادر عن مركز أمية للدراسات والبحوث الاستراتيجية، مظاهر عدة للدعم الإيراني لنظام بشار سواء كان بشكل مباشر عن طريق قوات الحرس الثوري الإيراني، أو عن طريق الميلشيات الموالية لطهران كحزب الله وجيش المهدي بأوامر إيرانية.
ومن ذلك اتهامات تفصيلية أدلى بها قادة عسكريون من الجيش السوري الحر لصحيفة الشرق الأوسط، عن كتائب حزب الله التي تعمل على الأراضي السورية مثل الكتيبة 101، 102، 103، والأخيرة متخصصة في التفجيرات والاغتيالات، كما تحدثوا آنذاك عن لواء مدرعات كامل من الحرس الثوري الإيراني على الحدود السورية اللبنانية، إضافة إلى أنه كثيرا ما تم إلقاء القبض على ضباط من الحرس الإيراني وخبراء إيرانيين يعملون على أرض سوريا لصالح النظام.
كما أفادت التصريحات أن بشار الأسد سلم مدرعات ودبابات وآليات عسكرية لحزب الله، والذي قام باقتحام القرى وارتكاب المجازر.
ولا يخفى أنه كان لحزب الله الدور الأبرز في عدم صمود القصير ثم سقوطها، بعد أن أحرقت قواته أهلها أحياء، وسفكوا دماءهم وانتهكوا أعراضهم، ورفعوا الشعارات الطائفية على مآذن المساجد.
وحينها ادعى حسن نصر الله زعيم حزب الله السابق، أن تدخل الحزب في سوريا لمواجهة التكفيريين الإرهابيين، وحماية العمق اللبناني، على الرغم من خروجه عن السياق الوطني في لبنان والتصرف خارج الحدود وكأنه الدولة.
لا يستطيع أحد إنكار دور إيران في دعم نظام بشار الأسد وذبح الشعب السوري، من أجل الإبقاء على ذلك النظام الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشروع الإيراني وحلقة محورية في حلقاته.
ومع انطلاق عملية ردع العدوان في أواخر 2024 وسقوط نظام بشار الأسد، تولت إدارة أحمد الشرع زمام الأمور في سوريا، فكانت بداية عهد جديد تحولت فيه سوريا من حلقة في المشروع الإيراني، إلى دولة تسابق الخطى لتنضم إلى البيت العربي وتندمج في محيطها الإقليمي والمجتمع الدولي، وتنسلخ من التبعية والتحالف مع إيران، والتعامل معها على مبدأ السيادة ورعاية مصالح الشعب السوري.
عملت حكومة الشرع في الوقت نفسه على تصفير النزاعات، وتجاوز الجراح التي أحدثتها إيران وأذرعها خاصة حزب الله في الجسد السوري، والاتجاه إلى الإعمار والنهوض بالاقتصاد السوري الذي دمره بشار الأسد.
ومع اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، التزمت سوريا الحياد تجاه الطرفين، وأبدت تأييدها لدول الخليج التي تعرضت للضربات الإيرانية، ونأت بنفسها عن الانخراط في الصراع على الرغم من أن أجواءها كانت مسرحا لتبادل الصواريخ بين طرفي الحرب، إضافة إلى تعرضها لهجمات من قبل الميلشيات العراقية الموالية لإيران، وكلها مواقف تعبر عن الخيار الجديد لسوريا وهو الانفصال عن النفوذ الإيراني ورفض العمل تحت المظلة الإيرانية.
وفيما تضاربت أنباء عن تعرض الرئيس أحمد الشرع لضغوط من أجل التحرك العسكري ضد حزب الله في لبنان، قطع الشرع الشك باليقين، حيث نفى وجود أية نوايا للتدخل ضد حزب الله، مؤكدًا على سياسة النأي عن الصراعات.
تأسيسًا على ذلك، هل يمكن القول أن سوريا قد تخلصت بشكل نهائي من إرث النفوذ الإيراني؟
في حقيقة الأمر لا يمكن القول بأن سوريا تخلصت من ذلك الإرث بشكل كامل، وذلك على الرغم من مساعي حكومة الشرع لتقويض وإزالة النفوذ الإيراني، عن طريق الحد من وجود الميلشيات الموالية لإيران، والرقابة الصارمة للحدود مع لبنان والعراق اللتين تتواجد بهما الأذرع الإيرانية، وقمع شبكات التهريب المرتبطة بإيران.
فالنفوذ الإيراني لم يكن قائما على الدولة فحسب، بل على شبكة من الفاعلين المحليين والبنى العسكرية غير النظامية، والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
هذه الشبكات لم تُبنَ بين ليلة وضحاها، ولن تختفي بالسرعة نفسها، بل قد تتحول إلى مراكز قوة مقاومة لأي تغيير وقنابل موقوتة، ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على فرض سيادتها.
لذلك كانت بقايا هذا الإرث يمثل إحدى التحديات التي تواجهها إدارة الشرع، إضافة إلى ملفات النزعات الانفصالية والعربدة الإسرائيلية في الأراضي السورية، كل هذا في ظل العمل على إعادة البناء كأولوية لدى النظام السوري.
ولا نجافي الحقيقة إن قلنا بأن مدى صمود سوريا الجديدة أمام بقايا هذا الإرث، سيكون أحد المحددات الهامة التي سترسم شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة