حين تتحول الروابط الإنسانية إلى منتجات بتواريخ صلاحية !
كان لي صديق يقول ساخرا: “العلاقات هذه الأيام صلاحيتها مثل صلاحية الزبادي”
ابتسمتُ يومها للعبارة، لكنني كلما تقدّمت في قراءة كتب “باومان” أدركتُ أن السخرية – رغم ظرافتها – لم تُصِب المَرمى كاملا ..
فالروابط الإنسانية لا تنتهي لأنها انتهت، بل لأنها صارت تُصنع أصلا كي تنتهي ..
أكاد أبكي وأنا أكتبها …
هذا زمنٌ لا يتسع لأحد….
زمنٌ يريدك أن تشتري قلبا، ثم تستبدله بالقلب الأحدث…
أن تفتح مساحات نفسك لأحد ما… ثم تُغلقها بـ”ضغطة زر”…
أن تمنح حضوركَ المُفتعل كاملا… وأنت غائب…
وأن تغيبَ… وأنت تومئ للحضور الوهمي على شاشة هاتف !
لم تعد العلاقات تُبنى، بل تُستهلك….
لم تعد الروابط تنمو، بل تتبخر….
لم يعد الإنسان شجرة لها جذور… بل بالونا يُطلَق في الهواء، يعلو، ويعلو ..
يلمع، ثم يختفي…. وقد ينفجر دون أن تُلامس الأرض بقاياه !
*من الصّلابة إلى السيولة .. تاريخٌ طويل لم يترك لنا شيئًا لنتمسّك به*
قبل ألف سنة كان الإنسان محاطا بـ”صلابة”:
أفكار صلبة، قيم صلبة، ثوابت صلبة .. يقين صلب.
كانت الكنيسةُ -بما لها وما عليها – تقدم للأوروبي ما يظن أنه جذور ثابتة، يلوذ بها مهما اضطربت الحياة….
ثم جاءت الحداثة…
رفعت راية العقل، وقالت له: “تخلَّ عن كل ما ورثته… فكّر وحدك يا هذا”!
كان مشروع الحداثة – رغم قسوته – مشروعا له غاية:
إزالة الصُّلب القديم كي يُقام صلبٌ جديد على أساس العقل….
لكن الكارثة لم تكن هنا…
الكارثة جاءت حين دخل العالم مرحلة ما بعد الحداثة، حيث:
أُذيبت المرجعيات كلها … ولم يُبنَ فوق الخراب شيء…
صار التغيير غاية بلا غاية….
وصار الإنسان يُحاول أن يعيش بلا جذور.. بلا سقف وبلا اتجاه !
هذه هي الحداثة السائلة التي وصفها “زيجمونت باومان “..
عصرٌ يريدك أن تبقى في حركة دائمة، وأن تخاف كل ما هو ثابت، وأن تتعامل مع العالم كما لو كان “سوبرماركت” للعواطف، تدخل إليه خفيفا، وتخرج منه أخفّْ !
*الإنسانُ الاستهلاكي .. يريد أن يأكل الكعكة حتى يشبع… ويُريد أيضا – وفي ذات الوقت – أن لا ينقص منها شيء*
لم يعد الإنسان يبحث عن علاقة… بل عن “خدمة علاقات” ..
يريد حُبّا يُسعفه في اللحظة، ويُنسى في اللحظة التالية…
يريد لذّة القرب… دون مشقة الالتزام…
ويريد الطمأنينة… دون أن يدفع ثمنها الأمني والنفسي.
تماما كما قال “إريك فروم”:
“لا إشباع في الحب بلا إيمان حقيقي، ولا دوام فيه بلا انضباط حقيقي”
لكن الإنسان السائل يرفض هذا الثمن…
يريد حُبا جاهزا، بلا مخاطرة، بلا مسؤولية، بلا سعي.. بلا جُهد.. بلا مستقبل حتى !
يريد علاقة تُطوى وتُفتح كما يُطوى عقد “الضمان” في سلعة إستهلاكية…
يريد أن يُحب من بعيد، دون أن يقترب بما يكفي ليمسّه الجرح !
وكأن العلاقات أصبحت عباءة خفيفة على الكتفين:
جميلة في الصورة، سهلة النزع، لا تترك أثرا حين تسقط ..
القرب الافتراضي: حضورٌ بلا حضور
والهاتفُ الذكيّ – هذا الكائن الصغير – جعلنا نحيا معا ولا نتلامس….
نتواصل بلا لقاء….
نكتب رسائل مليئة بالقلوب والأشواق … وقلوبنا خاوية…
نرى أحوال الآخرين… ولا نراهم…
نسمع أصواتهم… ولا نسمعهم…
صار الإنسان حاضرا في كل مكان…
ومعدوما في كل مكان…
صار القرب الافتراضي ملاذا يُرضي رغبة مزدوجة:
أن نقترب… دون أن نتورط ..
أن نكون مع الناس… دون أن نكون حقا معهم…
أن نحيا صداقة لمدة سنوات… دون أن نعرف كيف يبدو صاحبها حين يحزن حقا أمامنا… كيف تبدو ملامحه حين يضحك .. كيف يتدارك الحرج حين تسقط قطرة زيت على قميصه وهو يأكل !
هذه الصداقات لا تموت لأنها ضعيفة… بل لأنها ولدت أصلا خارج شروط الحياة.
وكأنها جنين مُتخيّلٌ في بويضة عمياء !
أوَلَم تتحوّل البيوت إلى فنادق للمبيت؟!
لم تعد البيوت مكانا لتبادل الحنان أو لصناعة الذكريات، بل أصبحت “مراكز ترفيه متعددة الأغراض”:
كل فرد يعيش في جزيرته الخاصة ..
يأكل وحده ..
يتصفح هاتفه وحده ..
ويحزن ويبكي ويضحك وحده…
أُطفئت نار الموائد ..
وانطفأت معها الحرارة التي كانت تُذيب المسافات بين أفراد الأسرة.
صار البيت مكانا للسكن… وليس للإقامة….
للراحة… وليس للحياة…
*اقتصاد السوق حين يشنّ حربًا على الأخلاق فهو لا يعترف إلا بالإنسان المستهلك…. كما قال باومان ..
أما الإنسان المُتراحم، الإنسان الذي يُعطي بلا مقابل، الإنسان الذي يساعد جاره، فهو خطأ في النظام….
لأن السوق لا يحب ما لا يُباع….
ولا يريد ما لا يجلب حركة مالية….
لذلك يسعى لتسليع كل شيء:
الصداقة = خدمة “اشتراك بطارية”
المساعدة = تطبيق
النصيحة = دورة مدفوعة
الدعم العائلي = استشارة
التراحم = جمعية تمويل
الزيارة = خدمة توصيل
صار السوق يقتحم المناطق الرمادية في إنسانيتنا ويُحوّلها إلى بضائع…
لكن الموجع ليس هذا…
الموجع أن الناس استجابوا…
صار سؤال القيمة: “كم سعرها؟”
بدلا من سؤال المعنى: “ما قيمتها؟”
وسقط السؤال الأخلاقي في منتصف المائدة !
**لماذا أفعل الخير… وما عائده عليّ؟**
كانت الأديان تمنح العالم إجابة جاهزة:
افعل الخير لأنه طريق النجاة، طريق الثواب، طريق القيمة ..
لكن حين ذابت المرجعيات، وأصبح الإنسان بلا جذور، انهارت السقالات الأخلاقية في داخله….
فصار يتساءل – بشيء من البراءة الوحشية -:
“لماذا أساعد الآخرين؟ ماذا سأربح؟”
وحين يُطرح هذا السؤال، تُصبح الإنسانية كلها في مأزق…
===
فشلُ الإنسان السائل… حين يحاول ألّا ينكسر
الإنسان السائل هو أكثر الناس خوفا من الألم، وأكثرهم عرضة له…
هو الذي يهرب من الارتباط… فيعيش الوحدة…
يهرب من الالتزام… فيعيش خواء داخليا…
يهرب من الجروح… فينزف من الداخل دون أن يعلم من أين…
يريد علاقة بلا مخاطرة وصداقة بلا مسؤولية وحبّا بلا فناء وانتماء بلا ثمن !
لكن الحقيقة التي لا يريد أن يراها هي:
أن كل قيمة في الحياة لها ثمن، والثمن ليس خيارا بل قانونا كونيا.
ولذلك…
لا يمكننا أن نحب دون أن ننتظر ونشتاق ونبذل جهدا ونُجرح…
ولا يمكننا أن ننتمي دون أن نخسر شيئا…
ولا يمكن أن تكون علاقاتنا “صلبة” ما دمنا نحن أنفسنا لم نعد كذلك.
ما الذي يبقى… في عالم يتبخر فيه كل شيء؟
يبقى شيء واحد:
الإنسان القادر على تحمُّل تبعات إنسانيته.
الإنسان الذي لا يخاف الالتزام..
ولا يهرب من الآخر..
ولا يستبدل قلبه كل موسم…
ولا يتعامل مع الروابط كما يتعامل مع الأجهزة الذكية.
يبقى الإنسان الذي يحمي ما يقيم .. ويُصلح ما ينكسر ..
ويعرف أن الحب ليس “تجربة”… بل كيان يُبنى بالعرق والصبر والنزيف الجميل.
==
نحو روابط لا تُباع ولا تُستبدل…
العلاقات الصلبة ليست عودة إلى الماضي
ولا nostalgia او نستولوجيا للعصور الحجرية
وليست تمسُّكا بأخلاقيات قديمة
إنها – ببساطة – مقاومة !
-مقاومة ضد التفاهة
-ضد السيولة
-ضد الفردانية الوحشية
-ضد تحويل الإنسان إلى رقم على شاشة أو سلعة في السوق ..
-إنها احتجاجٌ هادئ على العالم … وعلى أنفسنا.
**إنها إعلان:
أن الإنسان ليس مُنتَجَا، والعلاقة ليست عبوة زبادي لها تاريخ انتهاء.
وأن القلب ليس متجرا
وأن الروابط لا تُبنى بالراحة…
بل بالمسؤولية، بالشجاعة، وبالقدرة على أن نكون “اثنين” دون أن نفقد أنفسنا.
هذا ما يبقى…
وهذا ما يستحق أن يُعاش.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة