الفرار من الإحساس

لقد أصبح العالم أسرع من قدرتنا على الحكي، وأضيق من احتمال القصص الثقيلة، فصرنا نقول كل شيء في جملة، ونحبّ في ومضة، وننسحب في صمت…

يصف كريستوفر لاش في تحليله للإنسان المعاصر ظاهرة خصّها باسم “الفرار من الإحساس” Flight from Feeling، وهي ليست مجرّد حالة نفسية عابرة، بل نزعة وجودية تولّدت من تراكم الخيبات ومن خوف الإنسان من الانهيار الداخلي إذا انكشف أو وثق أو بكى… او خُدِع !

إنها آلية دفاع كبرى يختبئ خلفها كائن هشّ يظن أن النجاة تكون بتجميد العاطفة قبل أن تُجمّده هي ..

ومن هذا الفرار يتولّد عالم كامل من السلوكيات الباردة:

-لامبالاة مُصطنعة تُشبه درعًا فولاذيًا يغطي روحًا مرتجفة…

-علاقات حرّة بلا التزامات، لأن الالتزام صار مرادفًا للخطر…

-ارتباطات بلا عمق، كأن القلب غرفة فندقية لا يُسمح لأحد بالإقامة فيها…

-نزوع متزايد للعيش وحيدا، واستقلال عاطفي يشبه الاستقلال عن الهواء…

هي علاقات هشة…

عابرة…

سريعة…

تمامًا كوجبات تُلتهم قبل أن تُتذوّق، وكفيديوهات قصيرة تفرض إيقاعها على وعينا، وكـ «الحب السائل» الذي تحدّث عنه زيجمونت باومان؛ حبّ لا يمكث، لأن زمانه زمان الأشياء غير القابلة للمكوث.

تبدّل إيقاع العالم حتى صار أسرع من أن يلحق به القلب؛

لم يعد الوقت يسمح بالتفاصيل الثقيلة،

فأصبحت العلاقات تُدار بلمح البصر،

والانسحابات تتمّ بلا صوت…

كأننا نختصر عمرًا كاملًا في لحظة واحدة…

وحين يتورّط الإنسان في هذه الفردانية المتضخّمة، يغدو التعبير عن المشاعر فعلا مُحرجا، والبكاء نوعا من «الانكشاف الخطير»، والاعتراف بالاحتراق الداخلي إعلانا غير آمن….

فالتصرّف بعفوية عاطفية يعني ـ في هذا العصر ـ أن تعرض رقبتك للذئاب، وأن تعطي الآخرين فرصة لاختراقك…

لهذا ينكمش الإنسان على ذاته، ويُحكم الأقفال على صدره، ويتكتّم على عواطفه لا لأن قلبه مات، بل لأن الصدق العاطفي أصبح مخاطرة وجودية…

ولأن هشاشته باتت أكبر من أن يراها أحد….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الحرب الوحيدة التي قد أخوضها بعد الآن …

الحرب الوحيدة التي قد أخوضها بعد الآن … أخطر الهزائم هي تلك التي نتقبّل وجودها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *