إذا أبقاني ربي ،،، بعد أيام أدخل عامي السابع والأربعين…

عام لا يشبه الأربعين التي كتبتُ عنها قبل سبع سنوات ..

ولا يشبه الثلاثين التي كنت أحمل فيها عصبيّتي وغروري وأحلامي التي لا حدود لها ولا مدى .

سبعة أعوام فقط…

لكنها مرت عليّ كعقود كاملة…

في الأربعين كنت أسأل:

ماذا قدمتُ لآخرتي؟

وأيّ فصل ينتظرني؟!

وكنت أستشعر الشعرات البيض كجرس إنذار ..

وأسترجع حنان الجدّين .. وأحاول أن أضبط خطواتي بين الاندفاع الأول

وبين حكمة أستعيرُها من كتاب الله .. ومن رواية قديمة ومن تجربة موجعة.

لكنني اليوم، عند السابعة والأربعين،

أشعر أنني لست تلك المرأة التي كانت تخشى التحوُّل

ولا تلك التي كانت تبحث عن هوية بين الرايات والمواقف ..

ولا تلك التي كانت تلهث خلف يقين سياسي أو فكري أو عاطفي

ولا تلك التي كانت مأخوذة بجماعة ومفتونة بقوم ..

لقد وقعتُ بما يكفي ..

وخُذِلتُ بما يكفي ..

وأحببتُ أو توهّمتُ الحُب بما يكفي ..

وتعافيتُ -بفضل الله – بما يكفي

لأن أعرف أنّ الحياة لا تُدار بالاندفاع

ولا بالتخندق ولا بالرجاءات الكبيرة،

بل تُدار بشيء اسمه: وعي النجاة !

*هل أتتكم أنباء الناجين الأوائل بقشّة الوعي؟

أولئك الذين لم يخرجوا من التجارب سالمين…

بل خرجوا أشدّ صمتا، وأوضح بصرا، وأصدق إحساسا بما وبمن يستحق البقاء في حياتهم وبما يجب أن يُدفن دون ضجيج !

هؤلاء لم ينجوا لأن الطريق رَقّ لهم أو كانت المسافات رحيمة بهم ..

ولا لأن العراقيل كانت طريّة أو لطيفة .. بل لأنهم امتلكوا تلك القدرة السرّية على جمع شظاياهم بأيديهم كلما تهشمت أرواحهم ..

يقفون اليوم في منتصف العمر

يشبهون خرائط قديمة أعادت نفسها إلى شكل جديد بعد أن مزّقتها السنوات مرارا.

الناجون بوعيهم .. لا يملكون كثير كلام

لكن لديهم أعيناً ترى أكثر مما تقول .. وصدورا تتسع ما لا يحتمله الناس

وقلوبا لم تعد تخدعها الوعود السهلة

ولا الكلمات الجميلة أو النظرات الكاذبة ولو كان لها بريق.

هم الذين لم يخرجوا من العتمة كما دخلوا ..

بل خرجوا منها ومعهم مصباح داخلي

لا يمنحه القدر إلا لمن ذاق وجع التعلُّم لا وجع الهزيمة وحسب.

هؤلاء هم خلاصة الحياة…

من نجا بجسده عاش كريما كما أراد واشتهى ..

وها أنا اليوم أرى نفسي بوضوح:

امرأة خرجت من كل ما مرّ بها

أقوى من أن تنكسر

وأهدأ من أن تنفجر

وأعمق من أن تخشى تغيّر الملامح أو خسّة المرايا !

في الأربعين

كنت أقف بين ماضٍ متوثّب، ومستقبل يطلب حسابه.

أما في السابعة والأربعين فأنا أقف على أرض أثبت ..

أعرف ما الذي يستحق قلبي .. وما الذي لا يصلح أن يقترب منه.

تعلمتُ أن الدنيا لا تكافئ بالعدل ..

ولا تُنصف من ينتظرها، ولا تفتح أبوابها بالقرع،

بل تفتح لمن يمشي نحوها بقناعة أنّه لا يحتاجها لتُثبت قيمته. ..

وتعلمتُ أن أقوى القرارات هي تلك التي تُتخذ بلا ضجيج ..

وأن أخفّ الأعمال تلك التي تُنجز سرا

وأن الخبايا التي لا يعلم بها أحد هي التي تخيط الثقوب في الروح

وتعيد ترتيب النور فيها….

وتعلمتُ أنّ الشيب ليس تهديدا .. بل إعلانا بأنّ الطريق التي وصلت إليها

لم تكن سهلة

ولا قصيرة

ولا خالية من الشهداء العاطفيين في داخلك ..

وأنّ القلب الذي بكى على أطلاله بالأمس

هو قلب يحق له أن يفرح اليوم بما بقي فيه من نبض

ومن ضوء ومن قدرة على الضحك بعد كل ذلك الخراب الجميل والذي كان ضروريا ولازِما لكي أنمو وأتقدم…

سبعة وأربعون عاما

أستطيع القول بعدها إنني لست امرأة فائتة .. ولا أنثى عبرتها السنين بكل قسوتها،

بل أنا امرأة تم اختبارها جيدا فخرج معدنها

-أصلب

-وأصفى

-وأثمن مما كنت أظن ..

أنا اليوم لا أبحث عن انتماء .. ولا أبحث عن تصنيف ولا أبحث عن تصفيق أو هُتاف أو بطولة ..

يكفيني أنني صادقة مع نفسي ..

وفيّة لجذوري، مُنتمية لهذه الأرض التي أنبتتني وأسلافي

وفية لجدّي وجدّتي اللذين حملا طفلة صغيرة

وصنعا منها امرأة تعرف معنى الرحمة ومعنى العزّة

ومعنى الصبر..

ومعنى أن يكون خلفك إرث من الكرامة

لا يصدأ…

واليوم، وأنا على عتبة السابعة والأربعين ..

أقول لنفسي:

ما زالت الأوراق القادمة مختومة، لكنني أصبحت مستعدة لفتحها دون خوف،

دون استعجال، ودون أن أسمح لأحد أن يكتب سطرا واحدا فيها بدلاً عني..

لقد بلغتُ السن التي لا أخشى بعدها أحدا

ولا أسترضي فيها أحدا

ولا ألهث خلف أحد

ولا أهرب من أحد….

سنّ اكتشفت فيها

أن قيمة الإنسان في ما يُبقيه لله،

لا في ما يراه الناس …

وفي ما يصنعه بيديه

لا في ما تمنحه له الظروف.

سبعة وأربعون عاما…

وأنا اليوم أنضج،

أعمق،

أوضح،

أخفّ من الأحمال .. وأثقل من التجارب،

وأقرب بكثير إلى الله الأعلم بي من كل خلقه ..

وأقرب أكثر إلى نفسي…

تلك النفس التي تعبت فلم تسقط

وابتلّت فلم تنطفئ

وبكت ثم ضحكت

ثم نهضت وكتبت من جديد.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الوجه مرآة الروح

حين يُقال إن الوجه مرآة الروح، فالمقصود ليس تفاصيل الملامح بقدر ما هو أثر الداخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *