الخذلان ليس حدثا… إنه انعكاسٌ لما توقّعناه في مرآة المجهول والتي لا تُجامل…
فالإنسان لا يُهزَم من فعل الآخرين، بل من الصورة التي رسمها لهم في داخله…
كُلُّ خيبة يا قوم.. هي ثمرةُ انتظار طال أكثر مما تتحمله طاقة القلب…
يقول غوته: “بنيتُ بيتي على العدم، ولهذا كلّ الكون لي”…
لم يكن يقصد العدم كفراغ، بل كتحرُّرٍ من أثقال التوقعات، كأن يقول:
من انتزع من قلبه وَهْمَ الامتلاك، اتسع له الوجود بأكمله.
ولذلك كانت أعظم الحريّات أن يتخفّف الإنسان من ظلال الآخرين عليه.
فالذي يبني قلبه على الفراغ الواعي – لا على الارتجاف ولا على الهروب-
لا ينهار إذا غاب أحد، ولا يتصدّع إذا انكسر وعد أو أدار أحدهم ظهره ثم غاب !
هذا ما أشار إليه نيتشه حين قال:
“كل ما يُسقطكَ هو ما تعلق فيك بغير حق”
فالإنسان لا يسقط من طعنة، بل يسقط من القبضة التي بقيت تتشبث بيدٍ لا تريد أن تمسك به…
والخوف الحقيقي ليس من الخذلان…
بل من أن نستمرّ في منح الآخرين صلاحية تشكيل ردود أفعالنا، وكأن قلوبنا مستعمرات مفتوحة، تدخلها جيوش الظنّ بلا استئذان…
تُعلّمك الخيبة شكلًا آخر للامتلاء:
-أن تمتلئ بنفسك، لا بوعود الآخرين…
-أن تقف على حافة الانتظار ولا تسقط …
أن تمنح حضورك لمن يستحقه وأن تُهدي وجودك لمن يفهم قيمته ..
دون أن تَرهن مصيرك بمن لا يرى قيمتك ولا يُبصر نورك …
الخيبة ليست جرحا، بل طريقة جديدة لامتلاء الروح…
-هي التي تُعلّمك أن تقوم على قدميك دون عكّازات الوعود،
فالنضج الحقيقي أن تمتلئ بذاتك قبل أي أحد ..
أن تقترب دون ذوبان ..
وتُحبّ دون عبودية ..
وتنتظر دون أن تتعلّق بمن لا يراك…
فالإنسان لا ينهار من خذلان الآخرين، بل من التوقعات التي بناها لهم في داخله؛
ومن عرف هذا، بنى بيته – كما قال غوته- على العدم الرحب ..
ليصير الكون كلّه له ..
قال جبران خليل جبران، وكأنه يخاطب أرواحنا التي أثقلها التوقُّع:
“ما أشدّ ضجيج العالم في قلب يطلب السكينة”
والسكينة ليست هبة تُمنح، بل تُنتزع حين ندرك أن لا أحد قادر على خذلان قلب لا ينتظر نجاة إلا من الله، ولا يبحث عن أسباب السعادة في الناس إلا بما يستطيعون إعطاءه بالفعل… لا بما نتخيله نحن في لحظات الضعف.
فابنِ بيتكَ الداخلي يا عزيزي على العدم الرحب…
على الصمت الذي لا يُخيفك
على المساحة التي لا يشاركك فيها أحد…
حينها، ستكتشف صدق غوته:
إذا لم تُقدّس غياب الاتّكاء، فلن تنعم بحضور الحرية….
وإذا لم تتخذ من العدم أساسا، فلن يصبح الكون لك.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة