الدّيْن العام في الأردن

لم يعد الدّيْن العام في الأردن مجرّد اصطلاح مالي يُقاس بميزان الدينار والسنة المالية، بل أصبح نافذة تطلّ منها الدولة على محدودية جغرافيتها، وتبدّل تحالفاتها، وقلق وجودها.

فالأردن، دولة صغيرة المساحة كبيرة الأعباء، محكومة دائما بمعادلة لا تنتصر فيها الأرقام بقدر ما تنتصر فيها مرونة الدولة وقدرتها على البقاء…

الدَّيْن هنا ليس رقماً يتجاوز 44 مليار دينار، بل هو – على نحوٍ فلسفي – مرآة تكشف ما تخفيه بُنية الاقتصاد من عللٍ لا تُرى بسهولة:

-بطء النمو

-ضيق الأسواق

-تقلّب الإقليم

-والاعتماد المُزمن على المساعدات والشراكات الدولية.

ومع ذلك، تظهر الدولة الأردنية في كل أزمة كما لو أنها تعيد اختراع نفسها، محافظة على توازن دقيق يشبه توازن راقص على حبل مشدود بين جبلين.

حين تتعامل دولٌ ذات موارد هائلة مع الديون، تكون المعادلة مالية…

وحين يتعامل الأردن مع الدّين، تكون المعادلة وجودية…

فالدَّين، في سياق مثل السياق الأردني، ليس مجرد أعباء مالية، بل هو سؤال عن قدرة الدولة على حماية مبررات وجودها:

-هل تستطيع أن تحافظ على جهاز إداريّ فاعل؟

-هل تملك مرونة سياسية واجتماعية تمنع الانهيار؟

-هل تستطيع أن تقنع المواطن- رغم الضيق – بأن بقاء الدولة أولى من راحته المؤقتة؟

هنا يصبح الإصلاح المالي بابا إلى فلسفة جديدة للحكم:

فلسفة ترى أن الدولة ليست مجرد مؤسسة تدير الموازنة، بل كيان يحتاج إلى تجديد شرعيته الأخلاقية والسياسية باستمرار.

*التزم الأردن عبر الأعوام الأخيرة بمعايير صندوق النقد الدولي، لا بوصفها إملاء، بل بوصفها استراتيجية لبناء ثقة دولية تسمح له بالبقاء على رقعة اللاعبين الكبار.

وهذا الالتزام مكّنه من تجنّب سيناريوهات قاسية شهدتها دول مجاورة انهارت فيها الموازنات قبل أن تنهار الحكومات…

لكن الثقة الدولية، على أهميتها، لا تنجز النمو؛ فهي توفر غطاء ماليا وسياسيا، لكنها لا تعالج ضعف القطاعات الإنتاجية ولا ترفع معدلات الاستثمار…

فالاقتصاد الأردني ما يزال محاصرا بمُعوقات بنيوية:

-ارتفاع أسعار الطاقة

-محدودية الإنتاج

-ضعف الجاذبية الاستثمارية

– وتآكل الطبقة الوسطى التي تُعدّ العمود الفقري لأي دولة مستقرة…

وما لم يُعاد التفكير في هذه البُنية، فإن أيّ خفض في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي سيظل تجميلا لسطح يتصدّع في العمق.

في الأدبيات الحديثة، يقال إن الدول الذكية لا تُخفض ديونها فقط، بل تعيد تعريف العلاقة بين الدّين والتنمية…

وهذه هي المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها الأردن بعيدا عن القوالب التقليدية.

*إن مقايضة الديون بالاستثمار -لا بوصفها إعادة جدولة، بل بوصفها إعادة هندسة- قد تكون مخرجا أردنيا خالصا.

تحويل جزء من الديون الخارجية إلى مشاريع داخلية مُنتجة، خضراء، أو تعليمية، يعني انتقال الدولة من منطق التمويل إلى منطق إعادة خلق الاقتصاد.

كذلك، فإن تفعيل الأصول السيادية – من الموانئ إلى الشركات العامة – ليس بيعا ولا خصخصة، بل تحويل الأصول إلى أدوات إنتاج مستقبلية تُمول نفسها وتدعم الخزينة دون إرهاق المواطن…

كما أن إنشاء صندوق سيادي أردني مُحترف، مُستقل، شفاف، يمكن أن يعيد توزيع القوة المالية داخل الدولة، ويُحوّل بعض أعباء الدين إلى عوائد متراكمة.

===

حين نضع مؤشر الدّين على الطاولة، يصبح من الطبيعي أن ننظر إلى بقية المشهد..

كيف تتعامل الدولة مع الأمن؟ مع التكامل الدولي؟ مع الفساد؟ مع الهشاشة الاجتماعية؟

تعاون عسكري مستمر مع الولايات المتحدة.

ضبط مئات المتسوّلين في شهر واحد.

شراكات سياسية مع أوروبا تُبنى لقمة في عمّان في 2026.

ضبط قضايا فساد تُعيد 100 مليون دينار سنويا.

استحداث وحدات صحية، ضبط متسللين، إصلاحات رقابية، ومراجعات لملفات التطبيقات الذكية.

هذه الأخبار – حين تُقرأ فلسفيا – تشي بشيء واحد:

**الدولة تتحرك على محاور متعددة، لكنها تمشي فوق أرض رخوة**

وكل قرار صغير – من مكافحة التسلل إلى ضبط المتسولين – مرتبط بالبُنية المالية الكبرى، لأن الدولة حين تتجه إلى التقشف، يتسع الظل الذي يتحرك فيه “الأكثر هشاشة”.

* معركة الدّين العام ليست نزاعا بين الخزانة والسوق، بل هي نقاش طويل حول شكل الدولة التي يريدها الأردنيون…

هل هي دولة تعيش على ردّ الفعل؟

أم دولة تُبادر وتعيد ترتيب اقتصادها على أسس جديدة؟

القدرة على خفض الدين مهمة، لكنها ليست الهدف.

الهدف هو أن يصبح الدّين أداة لإعادة توزيع القوة داخل الدولة لا عبئا يقضم مواردها عاما بعد عام.

وحين تنجح الدولة في تحويل اقتصادها من حالة “البقاء” إلى حالة “التخيل والإنتاج”، عندها فقط تنتقل من لعبة الدفاع إلى لعبة بناء المستقبل.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

بين الذريعة والحقيقة: لماذا تُستهدف عواصم الخليج من قبل إيران؟

حين تقول إيران إنها تستهدف “قواعد أمريكية” في الخليج لا الدول ذاتها، فهي تبني رواية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *