تحرّرت دمشق….

في مثل هذا الأيام قبل عام من الدهشة، تحرّرت دمشق….

لم يكن ذلك اليوم مجرّد سقوط طاغية، بل سقوط زمن كامل….

فقد انطفأ عهد، وبدا كأن سوريا تُسحب من فم حقبة سوداء امتدّت لأكثر من نصف قرن، لتقف أخيرا في مواجهة حقيقتها، لا حقيقة من أحكموا سيطرتهم عليها.

لقد ظنّ البعض أن إسقاط النظام هو ذروة الحكاية، فإذا بالعام الأول يبرهن أن التحرير ليس خاتمة، بل بداية المواجهة الأعمق:

مواجهة الركام…

الركام الذي لم تصنعه الحرب وحدها، بل صنعته :

-سنوات القبضة الأمنية الدموية..

-وخمسون سنة من سلطة اعتادت أن تخلط بين الدولة والسلاح والقهر

*بين المجتمع والخوف

*بين القانون وقيود الأجهزة…

===

سوريا: بلد خرج من الحرب ليكتشف حجم الحرب التي دارت فيه…

فما إن انقشع غبار الزحمة الأولى للتحرير، حتى بدأ السوريون يرون ما لم يسمح النظام المخلوع برؤيته:

-دولة محطمة وهي واقفة

-مجتمعا منهكا وهو صامت

-مؤسسات تبدو قائمة لكنها في الحقيقة كانت مباني فارغة من الداخل…

*ففي عام 2025 لم تكن مهمة السوريين “إصلاحًا” لما تهدّم ..

بل كانت، بكل وضوح، هدما منهجيا للخراب نفسه !

-إزالة طبقات طويلة من التشوُّه البنيوي، ثم البدء من الصفر، لا من الأطلال.

نعم الإصلاح يُجدي يا قوم .. ولكن عندما تبقى الدولة دولة… أمّا حين تتحوّل المؤسسات إلى أدوات قمع، والاقتصاد إلى شبكة نهب، والقضاء إلى واجهة شكلية، فإن الحديث عن أي إصلاح يُصبح محض سذاجة…

هناك تُصبح المهمة إعادة التأسيس، لا الترقيع…

ولكن الحقيقة تقول:

إن توقّف الانهيار كان انتصارا بحدّ ذاته ..

في الأشهر الأولى بعد التحرير، اكتشف السوريون شيئا بالغ الدلالة:

-أن البلاد تتحسن ليس بما أضيف إليها… بل بما أُزيل عنها…

-حين رفعت الحواجز التي كانت تقطع أوصال المدن، شعر الناس أن الهواء نفسه تغيّر…

-وحين أُلغيت امتيازات الأجهزة التي كانت تستحوذ على الطرقات والمعابر والاقتصاد… بدت سوريا وكأنها تستعيد حقها الطبيعي في الحركة، في التجارة، في التنفس.

لقد كان النظام القديم مثل جبل من نار يعتلي صدر سوريا …

ولم تكن المعجزة في أن يبني السوريون شيئا جديدا فورا، بل في أن ذلك الثقل- أو الجبل -رُفع أخيرا.

وبين الداخل والخارج: بدأ القوم يُعيدون تعريف الدولة :

لم يكن الداخل وحده هو الميدان…

فالبلد الخارج من العزلة القسرية وجد نفسه مُطالبا بإعادة تعريف مكانه في العالم.

-في العام الأول بعد التحرير، لم تعد سوريا “ملفّا” تتقاذفه العواصم، بل دولة تعود إلى المسرح باختيارها، لا كعبء، بل كشريك.

-عادت إلى شرق المتوسط لاعبا يبحث عن الاستقرار لا عن المغامرة، وعن التحالف لا عن الارتزاق السياسي.

*كان على دمشق أن توازن بين ضرورات الداخل وضغوط الخارج:

فالناس يريدون بناء سريعا…

لكن البناء يحتاج استثمارا، والاستثمار يحتاج شرعية خارجية،

والشرعية تحتاج دولة جديدة تُعرّف نفسها بلغة غير لغة الخوف القديمة.

وهكذا مشى المساران معا:

لا استقرار داخليا بدون انفتاح خارجي ..

ولا انفتاح خارجي دون دولة مستقرة يصنعها الداخل….

*خمسون سنة من الخراب… وفرصة واحدة نادرة…

كيف؟

جاء العام الأول ليضع سوريا أمام معادلة غير مسبوقة:

أمّة خرجت من واحدة من أعتى المحن، لكنها خرجت بفرصة سياسية لم تتكرر منذ الاستقلال.

فالتحرير لم يُسقط نظاما فقط .. بل أسقط العزلة، وأعاد للبلاد هامش الحركة الذي سُلِبَ منها لسنوات طويلة.

ولأول مرة منذ عقود، باتت سوريا تملك القدرة على إعادة صياغة عقدها الاجتماعي، لا بوصفها دولة أمنية، بل بوصفها دولة مدنية، تتعلم من سقوطها أكثر مما تتعلم من شعاراتها…

*العام الأول: الطريق الصحيح… لا النهاية الصحيحة …

اليوم، بعد عام من التحرير، تبدو سوريا وكأنها تتلمس طريقا جديدا:

طريقا لا يقوم على ردّ الفعل، ولا على جلد الذات، ولا على الحنين إلى ما قبل الانهيار ..

بل يقوم على قرار واع بأن ما سقط لم يكن رجلا او مسخا، بل بُنية كاملة يجب ألا تُبعث من جديد !

لقد عاد السوريون إلى طرح الأسئلة التي كانت ممنوعة:

-ما معنى الدولة؟

-ما معنى السلطة؟

-ما معنى أن يكون المجتمع شريكا لا تابعا؟

ولأول مرة منذ زمن بعيد، لم يعد السؤال: “من يحكم؟”

بل: “كيف نُحكم؟

وذلك وحده تحوّل تاريخي.

تقف سوريا اليوم على حافة زمن مختلف…. زمن تتقاطع فيه ذاكرة نصف قرن من التدمير المنهجي، مع نافذة سياسية نادرة أتاحها التحرير.

وبينهما تنشغل البلاد بإعادة تعريف ذاتها، لا حدودها فقط….

فهي لا تريد أن تعود دولة خائفة

ولا دولة منغلقة

ولا دولة تُدار من المكاتب الأمنية ..

بل دولة طبيعية في عالم غير طبيعي ..

-دولة تبني مؤسساتها على القانون لا على الأجهزة

-وتعيد رسم علاقتها بشعبها على أساس العقد الاجتماعي

لا الولاء الشخصي.

*هذه ليست نهاية الرحلة …

هذه بدايتها….

وما تحقّق في العام الأول لم يكن معجزة، بل كان استعادة الحق في الحلم.

واليوم، بعد عام على سقوط الطاغية، يمكن للسوريين أن يقولوا:

لم نصل بعد…

لكننا أخيرا بدأنا السير.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الخميني مات… لكن «الخمينية» لم تمت..

حين يُقال إن الخميني مات، فذلك صحيح بيولوجيا فقط. أما سياسيا وتاريخيا، فالخميني لم يكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *