فالقامات لا تُقاس بالتجمّعات، بل بالقُدرة على الوقوف وحدها…
الطفل حين يُحرم من دفء العائلة، يجمع ألعابا حوله ليُقنع نفسه بأنه لم يَفقد شيئا؛ وكذلك الصغير حين يُقصيه الزمن عن دوائر التأثير، يملأ الفراغ بضجيج الأتباع وهُتاف المُغيّبين والعوام …
لأن الصمت يكشف حجمه الحقيقي، والصمت عند الصغار فاضح !
*الكبير لا يبحث عمّن يُصفّق، بل عمّن يُتقن الإصغاء…
والصغير لا يطيق أن يبقى وحيدا، لأن وحدته تُعرّيه…
لذلك قال ابن المقفع قبل قرون:
“ليس من مروءة الكبار التحزّب، ولا من خُلُق الصغار التفرّد”
فالكبير بطبيعته نهر، يجري بلا حشود، يفيض حين يشاء، ويصنع مجراه…
أما الصغير فغالبا ما يكون سيلا ضيّقا لا يتحرّك إلا حين تمسّه الرياح… فيظن أنه بحر .. ويا لسوء ظنّه بنفسه !
إنّ النفس القاصرة حين تفشل في الوصول إلى مصافّ الحكماء، تخلق حولها جماعة مُصغّرة، جماعة تدين لها بالولاء اللحظي، وتمنحها وهم القيادة….
وهذا هو ما يسميه غوستاف لوبون “ديكتاتورية الصغار” …
وهي في الحقيقة : سلطة بلا عمق، صوت بلا عقل، تجمّع بلا مشروع…
*مجموعة تُدار بالأهواء، وتُفكّكها أول ريح عاصفة ..
لهذا، تجد الصغير يُلوّح بجمعه، لا بفعله…
بضجيجه، لا بحكمته…
يظن أنّ وجود أقدام كثيرة حوله يُعوّضه عن عجزه عن الوقوف على قدميه…
الكبار لا يحتاجون حشودا، لأن أثر الواحد منهم يساوي أمّة…
وحين كتب رالف والدو إمرسون جملته الشهيرة:
“العظمة تُقاس بمدى قدرتك على السير وحدك”
كان كأنه يصف هؤلاء تماما:
الذين لا يتورّطون في جمع الصغار، لأنهم مشغولون بصناعة معنى، لا صناعة جمهور….
واللافت في مشهد الصغار أنهم دائما يختارون من هم أصغر منهم ليكونوا حولهم، لأن الكبير الحقيقي يفضحهم، وجوده يُذكّرهم بضآلتهم، وحضوره يُسقط كل أوراقهم.
إنّ الإنسان الذي يُقصيه التاريخ عن موقعه الطبيعي، يحاول خلق تاريخ بديل من وجوه صغيرة، كمن يحاول أن يصنع قمرا من شظايا زجاج.
لا هو يُنير، ولا هو قمر….!
وفي هذا السياق قال نيتشه بحدة فلسفية لا ترحم:
“القزم سيظلّ قزما، حتى لو وقف على جبل”
وربما لو عاش بيننا اليوم لقال:
والقزم سيظل قزما، حتى لو اصطفّ وراءه ألف قزم آخر.
فالكِبَر الحقيقي ليس في عدد المصفّقين، بل في قدرة العقل على إنتاج أثر لا يحتاج تصفيقا…
والقيادة ليست في رفع الأصوات، بل في القدرة على الصمت حين يعلو صراخ العالم….
ولذلك…
حين ترى أحدهم يرفع نفسه فوق كتلة من الصغار، فتذكّر:
الكبار يُعرَفون بصمتهم، والصغار بضجيجهم…
الكبار يُميَّزون بعمق أثرهم، والصغار بعرض جماهيرهم…
والكبير يبني سُلّما من الحكمة أمّا الصغير فيبني سُلّما من الناس…
وحين ينهار الناس، ينهار هو معهم….
هذا هو الفرق الذي لا يفهمه من لم يجد لنفسه مقعدا بين الكبار:
أن العظمة لا تُستعار
ولا تُعار
وغير قابلة للتزييف ولا تُستورد ..
العظمة تُولد من الداخل…
أما الجموع فتُزخرف السطح فقط…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة