أعتذر لكل الذين مرّوا في طريقي ولم أعرف كيف أُحبّهم …

أعتذر لأنني لم أفهمهم إلا بعد أن ابتعدتُّ بما يكفي لتتّضح الصورة…

وأعتذر للبسطاء الذين صنعوا ملامحي دون أن ينتبهوا… ودون أن أدرك أنا ذلك إلا بعد مسافة طويلة بين واجب الشكر وبصيرة الامتنان….

أعتذر لتلك الوجوه التي عبرت حياتي كنسيم خفيف .. دون أن أُذكّر نفسي بأن الهواء الذي لا يُرى… هو سبب أننا نتنفس ..

أعتذر لهم لأنني رأيت حضورهم عابرا … ولم أعرف أن العابر قد يكون أحيانا أكثر رسوخا من المُقيم…

أعتذر لمن ظننتهم عابرين، فإذا بي أكتشف أنني أنا العابرة…

وأنهم ثابتون في أعماقي كجذور تشرب من دمي رحيق وجودي ..

أعتذر لذلك العمّ الذي كان يفتح دكانه عند الفجر

يُعلّق ميزانه القديم .. ويحسب للأولاد “بالبركة”..

لم أفهم حينها أن بركته كانت أوسع من حساباته ..

وأن عدالته الفطرية سبقت معرفتي بكل كتب الفلسفة …

أعتذر لعُمّال النظافة الذين يمسحون وجه القرى والمُدن قبل أن نفتح أعيننا ..

يمسحون تعبها عن الأرصفة… وتعبنا عن أرواحنا دون أن نلاحظ…

كأنهم يمارسون نوعا من القداسة التي لا يعترف بها الناس…

ممن يتجاهلون حقيقة أن “عظمة الإنسان ليست في مكان يقف فيه، بل في الاتجاه الذي يسير إليه” ..

وهؤلاء يسيرون كل يوم في اتجاه الضوء… ونحن نمرّ من أمامهم مُسرعين نحو ظلّنا…

أعتذر لذلك الرجل العجوز الذي كان يجلس قرب المقبرة ..

يمسك مسبحته، ويوزع السَّكينة على العابرين بلا مقابل….

لم أفهم وقتها أن الرجل الذي يرافق الموتى هو الأكثر معرفة بالحياة ..

وأن بصره المغمور بالعُمر الثقيل كان أصدق من بصري المغمور بالانشغال والشغف ولهفة الاستكشاف..

أعتذر للمرأة التي كانت تبيع الخضار عند باب بيتها في مدينة بعيدة ..وتقول بلهجتها البسيطة:

“العمر ما بيربّي الناس… اللي بيربّيهم وجع الطريق.”

كانت أمّية، نعم…

لكن جُملتها تلك ظلّت أكثر حكمة مما قلته لنفسي في سنوات طويلة.

أعتذر للفلاحين ورُعاة الغنم والطوبرجية وعُمّال البناء .. أولئك الذين لا يضعون العطر الباذخ

ولا يعرفون مُزيل العرق

ولا يرتدون القطن كإجراء وقائي لإخفاء رائحة التعب…

أولئك الذين يحملون يومهم على أكتافهم حتى آخر رمق…

ويظنّهم الناس بعيدين عن “الأناقة”

بينما أناقتهم تظهر في بسالة الكفّ المُرهقة… لا في لمعان القميص…

أعتذر للرجال الذين لا يقولون كلمة “إنجاز” …

ولا يكتبون تقارير عن أعمالهم.. ولا يستعرضون بما فعلوا وبما لم يفعلوا

ولا ينتظرون تصفيق أحد ..

لأنهم -ببساطة –

هُم الإنجاز ذاته…

أعتذر للأطفال الذين كانوا يركضون في الحارات أمام تذمُّري وزجري المُتكرر لهم…

يُعيدون للتراب طفولته ..

وللهواء ضحكته….

لم أفهم إلا اليوم أن ضحكتهم تلك حفظت لي ما فقدته من براءة.

أعتذر للفلاحين الذين يبذرون بذورهم دون أن يسألوا الغيم عن نيّته…

لم أكن أعرف أن الثقة بالله ليست مجرد شعار…

بل نمط حياة…

ولا شيء كان يُضيء وجه جدّي “الفلاح العنيد” كما كان يُضيؤه المطر !

أعتذر للغرباء الذين سألوني عن الطريق ثم أكملوا سيرهم ..

ولم أنتبه أن أحدهم كان يُشير إلى طريقي الداخلي .. الذي لم أكن أملك شجاعة النظر إليه….

كل هؤلاء… كانوا يعبرون…

وأنا كنت أعبر معهم دون أن أعرف أنني أتشكّل بهم ..

أنني نسخة تجمع شيئا منهم جميعا:

ملامح، وروائح، وصمت، وتعب، وابتسامات… وطبائع ونزق وفرح ومهرجانات لمُراجعة النفس والتأديب !

كنتُ أظن أنني أصل وحدي … فإذا بي أصل بأثرهم ..وبنورهم الصغير الذي تراكم في داخلي وتراكم دون استئذان مني أو قصد منهم ….

بعد مسافة…

صار الامتنان أكثر حضورا ..

وصار الاعتذار أعمق ..

وصرت أعلم أنّ ما أنا عليه ليس مني وحدي ..

بل من كُل يدٍ صافحتني

كل صوت عبر حياتي

كل قلب لم يقصد أن يُغيّرني… فغيّرني…

أكتب اليوم لأقول:

إنني مدينةٌ لهم جميعا

للذين أحبّوني ولم ينتبهوا ..

وللذين أحببتهم ولم أعرف كيف أقول ذلك لهم…

وأعتذر…

ليس لأنني قصّرت ..

بل لأنني عرفت قيمتهم متأخرة ..

حين صار الماضي أكثر صدقا من اللحظة …

وحين فهمت أن الإنسان لا يُصاغ من الداخل فقط…

بل يُصاغ بمن أحبّوه بصمت ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الأيديولوجيا لا تولد في الشارع، بل في العقول…

الأيديولوجيا لا تولد في الشارع، بل في العقول…. لا يصنعها الجمهور، بل تُصاغ له…. تبدأ …

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *