«سرايا أنصار السنة».. لغز التنظيم الغامض في مرحلة ما بعد الأسد

في مشهد سوري مضطرب تتقاطع فيه الأيديولوجيات والتكتيكات والمصالح، برز في الأشهر الأخيرة اسم تنظيم جديد يحمل عنوانًا طائفيًا وسلفيًا جهاديًا هو “سرايا أنصار السنة”، في توقيت دقيق تزامن مع تصاعد الانتقادات الموجهة لحكومة أحمد الشرع، واهتزاز صورة النظام الجديد في مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد.

ورغم شُحّ المعلومات الدقيقة حول هذا التشكيل، يظل ظهوره وتبنيه لسلسلة من العمليات ذات الطابع الطائفي والسياسي مؤشرًا خطيرًا على دخول الساحة السورية طورًا جديدًا من التحديات الأمنية والفكرية.

===

التأسيس والغموض

تشير أولى الإشارات العلنية لوجود التنظيم إلى أوائل شباط/فبراير الماضي، حيث أعلن عبر قناته الخاصة على تطبيق “تلغرام” عن تنفيذ عمليات ضد الطائفة العلوية، وقوات سوريا الديمقراطية، والحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.

يتبنى التنظيم خطابًا سلفيًا جهاديًا، لكنه يُظهر تمايزًا استراتيجيًا عن تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في بعض النقاط، رغم تأثره الواضح بأدبياته، خصوصًا في رفضه المطلق للتحالف مع “الأنظمة المرتدة” أو “قوى الكفر العالمي”، بحسب وصفهم.

===

الهيكل والقيادة

بحسب بياناته المتكررة، يترأس التنظيم شخص يُلقب بـ “أبو عائشة الشامي”، في حين يتولى “أبو الفتح الشامي” مسؤولية الإعلام الشرعي والتواصل، وهو الشخصية الأبرز حاليًا في التعبئة الفكرية داخل التنظيم. كما ورد اسم “أبو حفص الطرابلسي”، الذي يُعتقد أنه لبناني الجنسية، في أحد بياناتهم.

وتبقى الهويات الحقيقية لهؤلاء غامضة، ما يرجح إما انتماءهم السابق لتنظيمات أخرى ذات طابع سرّي مثل هيئة تحرير الشام أو حراس الدين، أو أن التنظيم يحاول إخفاء قياداته لأسباب أمنية وتنظيمية.

===

السياق التنظيمي والنشأة

من خلال التحقيقات المفتوحة ورصد المصادر المفتوحة، يبدو أن “سرايا أنصار السنة” لم تنشأ من فراغ، بل يُرجّح أن تكون امتدادًا لخلايا التجنيد الخاصة بـ هيئة تحرير الشام، والتي كانت تنشط خلف خطوط النظام في مرحلة ما قبل سقوطه. لكن خلافات عميقة نشأت بين هذه الخلايا وقيادة الهيئة، خصوصًا بعد ما وصفته السرايا بـ “انحراف الهيئة عن مسار الشريعة”، وإفراجها عن معتقلي النظام في غرفة عمليات “ردع العدوان”.

هذه الانشقاقات أدت إلى تأسيس كيان جديد يؤمن بـ”الحكم الشرعي” ويرفض ما يصفه بـ”المنظومة الوضعية” التي يتبناها الشرع. وقد أشار “أبو الفتح الشامي” في أحد بياناته إلى أن الشرع “استبدل شرع الله بدستور مليء بالمكفرات والشركيات”، داعيًا مقاتلي الجيش الجديد إلى “البراءة منه ومبايعة المجاهدين”.

==

العمليات الميدانية

رغم غياب أدلة ميدانية مصورة (صور أو فيديوهات) توثق العمليات، أعلن التنظيم مسؤوليته عن عدد من الهجمات، من أبرزها:

• اغتيال 10 أفراد من الطائفة العلوية في قرية أرزة بريف حماة.

• إشعال حرائق في القرداحة، مسقط رأس عائلة الأسد.

• تنفيذ عمليات خلال ما سماه التنظيم “مجازر الساحل”، واعتبارها مجرد بداية لـ”زلزال قادم”.

• في 4 تموز/يوليو، أعلن التنظيم مسؤوليته عن إحراق غابات القسطل في ريف اللاذقية.

• تبنيه لتفجير كنيسة في حي الدويلعة بدمشق في 24 حزيران/يونيو، وذكر منفّذ العملية باسم “محمد زين العابدين – أبو عثمان”.

===

الموقف من حكومة الشرع

تُظهر أدبيات التنظيم رفضًا جذريًا لحكومة أحمد الشرع. ويصفه “أبو الفتح الشامي” بأنه “مرتد زنديق باع دينه”، ويعتبر كل من يعاونه في حكمه خارجًا عن الإسلام. كما يُعارض التنظيم بشدة أي إدماج لضباط جيش النظام أو أعضاء حزب البعث في أجهزة الدولة الجديدة، ويعتبر ذلك “خيانة لدماء الشهداء وانحرافًا عن مقاصد الثورة”.

===

التنظيم الهيكلي والدعائي

للتنظيم قناة رئيسية على “تلغرام”، بالإضافة إلى بوت تواصلي يدعو من خلاله إلى التجنيد والانضمام، ما يدل على نية لتشكيل بنية تنظيمية حقيقية. ويحمل منبره الإعلامي اسم “دابق نيوز”، في استحضار رمزي لمجلة “داعش” الشهيرة، ما يثير تساؤلات عن علاقته بتنظيم الدولة.

ورغم إعلان “داعش” الحذر من “السرايا”، إلا أن الطرفين يتقاطعان فكريًا في قضايا عديدة، ويبدو أن السرايا تحاول استقطاب بيئة “داعش” من خلال الرموز واللغة دون التصادم المباشر.

====

الاحتمالات والتحليلات

المتابعون يرون عدة احتمالات لهوية التنظيم:

1. واجهة إعلامية بلا بنية ميدانية حقيقية.

2. تنظيم واجهة لداعش بصيغة مختلفة.

3. امتداد لخلايا منشقة عن هيئة تحرير الشام وحراس الدين.

4. شبكة لامركزية تستقبل تبنّيات عمليات من أفراد مستقلين.

ويبدو الاحتمال الرابع الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن، نظرًا لطبيعة الدعوة المفتوحة للتواصل عبر البوت، ما يعكس رغبة التنظيم في النمو الأفقي واستيعاب “المجاهدين المتجولين” عبر نموذج شبكة لامركزية غير هرمية.

===

تحديات حكومة الشرع

تواجه حكومة أحمد الشرع تحديًا وجوديًا في التعامل مع هذا التيار الجديد. فالتنظيمات السلفية الجهادية ترى في النظام الجديد نسخة من النظام القديم بثوب جديد. ومن جهة أخرى، تتهم هيئة تحرير الشام (التي خضعت لعملية تأهيل سياسي ودولي) بأنها وراء تسليم قيادات الجهاد العالمي للتحالف الدولي.

ويبدو أن عدم تمكُّن الشرع في الوفاء بوعوده بتطبيق الشريعة، والإفراج عن قادة نظام الأسد، وانهيار البنية الأمنية في بعض المناطق، أسهم كلها في تغذية هذه التيارات الراديكالية ومنحها شرعية جديدة في نظر جمهورها التقليدي.

===

خاتمة

في ظل تعقّد المشهد السوري، وغياب رؤية واضحة للمرحلة الانتقالية، يُمثل ظهور “سرايا أنصار السنة” جرس إنذار مبكر عن موجة جديدة من العنف الأيديولوجي قد تعصف بالبلاد مجددًا، وتعيدها إلى دوامة الفوضى التي أخرجتها منها تضحيات عشر سنوات من الثورة.

يبقى السؤال: هل ستتمكن حكومة أحمد الشرع من استيعاب هذا التحدي؟ أم أن مرحلة ما بعد الأسد ستلد “وحوشها” الخاصة، والتي ستنقضّ على أي مشروع لا يُرضي شهواتها الدينية والسياسية؟

===

مراجع مقترحة للتوثيق:

• تقارير معهد الشرق الأوسط (MEI) حول التحولات الجهادية في سوريا.

• مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) – ملفات الجهادية السورية.

• بيانات منشورة عبر “تلغرام” منسوبة للتنظيم.

• تقارير سابقة عن انشقاقات هيئة تحرير الشام، في مواقع مثل “Long War Journal” و”Jihadology”.

• مقابلات منشورة مع قيادات منشقة عن حراس الدين.

• أرشيف دابق وأعماق وتنظيم داعش الإعلامي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الأردنيون ليسوا شهود زور !

ليس من العدل أن يتحول اختلاف في وجهات النظر إلى اتهام شعب كامل أو إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *