الرئيسية / مقالات / كيف تكون متدينًا ويرضى عنك الحاكم المستبد؟

كيف تكون متدينًا ويرضى عنك الحاكم المستبد؟

«كان الإسلام عندما ظهر في شبه الجزيرة العربية في جوانبه الفكرية والاجتماعية والسياسية، أول ثورة كبرى، وأعظم ثورة في التراث الحضاري للعرب المسلمين، كما كانت لجوانبه الثورية هذه، صلات وثيقة بالواقع الذي ظهر فيه، إذ استهدفت هذه الجوانب تغييره، والانتقال به إلى طور متقدم».
المفكر الإسلامي الراحل محمد عمارة، صاحب هذه العبارة، يصف الإسلام بثورة كبرى في الجوانب الفكرية والاجتماعية والسياسية، وأوافق على هذا التوصيف، رغم أنه لا يروق للبعض أن يسمى الإسلام، ثورة. لكنه حقًا ثورة على الأوضاع البشرية المتردية، ثورة على الظلم الاجتماعي، ثورة على الانحدار الخلقي، وثورة على قهر الإنسان للإنسان، وثورة على عبودية البشر للبشر، وثورة على الاستبداد، وذلك هو مغزى الابتعاث الذي بيّنه ربعي بن عامر أمام قائد الفرس: «ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».
ولما كان المنهج الإسلامي ثورة على الباطل والاستبداد، فهو إذن يمثل تهديدا لعروش الحكام المستبدين، الذين أخرجوا الحاكم من كونه موظفا لدى الشعب، إلى كونه مالكا للعباد وما ملكوا، فلا ينقصه إلا أن يقول للناس «أنا ربكم الأعلى».

ونظرًا لأن المستبد لا يستطيع إقصاء الدين من حياة الشعوب، باعتباره يمثل هويتها الثقافية الأم، فهو يسعى لاستحداث نسخة منه لا تشكل خطرًا على بقائه، لذا تراه دائمًا يشجع على وجود شخصية متدينة بمواصفات خاصة. المستبد يقبل بوجود متدين متقوقع، راهب في صومعة، يعيش ويحيا في محراب الصلاة، همه محبوس في مواضع السجود، وجهده ينصب في عدّ التسبيحات، والتنقل بين دفتي المصحف، لا شأن له بالسياسة، بل لابد أن يراها «نجاسة»، مُغيَّبٌ عن حقيقة أن الإصلاح جزءٌ لا يتجزأ من الصلاح. يريد متدينًا منطقه في التدين ما قاله الشاعر:
حسبوا بأن الدين عزلة راهبٍ … واستمرأوا الأذكار والأوراد
فلا شأن له بكيف يُحكم، ولا بِمَ يُحكم، ولا كم من حقوقه وحقوق غيره قد استلبت، وعليه أن يكون في خاصة نفسه، يتعلم أحكام الطهارة التي تصح بها عبادته، ويغض البصر عن الطهارة التي تحيا بها أمته. المستبد يقبل بعمامة خضراء، يتمايل صاحبها يمنة ويسرة، يجول ويصول في الأسفار إلى موالد أصحاب القبور بثيابه المرقعة، وزاده في التكايا والحنايا، يجلس في الحلقات يروي ويرتوي بالأساطير عن الأولياء أصحاب الخطوة، والواصلين إلى الحضرة الإلهية، المرتحلين بأرواحهم في الملكوت، فهؤلاء قرة عين المستبدين، ولطالما دعموهم وأنفقوا عليهم، والهدف معلومٌ لكل ذي بصيرة، إنه التخدير والإلهاء عن مساءلة الحكام: كيف تسيرون فينا؟ أين حقوقنا؟ أين ثرواتنا؟


فلا تسل عندما تقلب صفحات التاريخ لماذا كان نابليون بونابرت يشجع إقامة الموالد وينفق عليها، ولماذا كان جنوده يتواجدون في الحضرات ويشاركون المصريين التمايل والمديح، والسبب بسيط، فهؤلاء أنفسهم هم الذين واجهوا الأعداء بإقامة الحضرات، بدلا من مقارعة الصائل المتعدي، وتركوا البلاد لأعدائها بذريعة عدم الاعتراض على قدر الله. ولا تسل لماذا خصص الجيش الأمريكي جزءًا من ميزانيته العسكرية في ترميم وإقامة المزارات والأضرحة بعد دخوله أفغانستان، وقطعًا ليس من أجل أهداب الشعب الأفغاني، بل تأتي ضمن توصيات التقارير، التي تعدها المراكز البحثية التي تخدم صانع القرار الأمريكي، والتي انتهت إلى ضرورة دعم أمثال هؤلاء الانسحابيين، الذين هم بُغية المستبدين.

أصحاب الفكر الانسحابي الانعزالي، هم الذين رفعوا لواء الدين ولمّا يفقهوا جوهره وحقيقته، فليت هؤلاء قد استجابوا لصرخات الجيلاني، الذي أساؤوا إلى منهجه حين صرخ في أهل العراق:
«يا من اعتزل بزهده مع جهله، تقدم واسمع ما أقول.. يا زهاد الأرض تقدموا.. خرّبوا صوامعكم واقربوا مني، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل.. ما وقعتم بشيء.. تقدموا».


المستبد يقبل بمتدين بلحية لا بأس، بثوب قصير لا بأس، بعيد عن الخرافات ومحدثات الدين لا بأس، ولكن مُشبّع بفكرة التمحور حول طاعة ولي الأمر المطلقة، يهاجم كل من يُخَطّئ الحاكم المستبد، يرى أن انتقاده في سقطاته نوع من الخروج المحرم على الحاكم، حتى إن لم يحمل السلاح، حتى إن كانت الأخطاء في قضايا عامة تتعلق بمصالح الشعب. ذلك المتدين الذي يُشهر تهمة الخروج على كل معارضي الاستبداد، ويرضى بأن يتحول إلى «مخبر» لأجهزة أمن الحاكم، ويعتبر ذلك واجبا شرعيًا، وربما أمعن في طاعة ولي الأمر ومعاداة معارضيه، بأن ينهى الناس عن معارضة الحاكم على ملأ، ولو كان له نصف ساعة يوميا يخرج فيها على الفضائيات ويشرب الخمر ويرتكب الفواحش، فلا عجب أن يتساءل الكواكبي عن مثل هؤلاء قائلًا: «من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكّام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد، إذا عدلوا، وأوجبوا الصّبر عليهم إذا ظلموا، وعدّوا كلّ معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين؟». فهؤلاء هم كهنة الاستبداد الذين يمثلون أقصى حالات التماهي مع الأنظمة، لأنهم يرونه دينًا يعتنقونه، يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «سيكولوجية الإنسان المقهور»، عن هذا النوع الخطِر من التماهي: «أقصى حالات التماهي المتسلِّط تأخذ شكل الاستلاب العقائدي؛ ونقصد بذلك تَمَثُّل واعتناق قيم النظام، والانضباط والامتثال، وطاعة الرؤساء الكبار، وهي قيم تخدم – بما لا شك فيه – مصلحة ذلك المتسلِّط؛ لأنها تعزز مواقعه وتصون مكتسباته».


أمثال هؤلاء لا يتخندقون إلا مع الحكام، ولو كان ذلك على حساب الشعوب بأسرها، ولطالما أفتوا لسادتهم بـ»الضرب في المليان» لكل من لا يضفي عليهم الشرعية، بعدما سلبوا إرادة الشعوب، بل زادوا في هذا الضلال وحملوا السلاح إلى جانب الانقلابيين على الشرعيات في بعض دول الربيع العربي، وأراقوا الدماء تحت شعار مقاتلة الخوارج والاصطفاف مع ولي الأمر.


تلك هي أبرز ملامح الشخصية المتدينة التي يقبل بها المستبدون، وبهم يتمكنون من نهب الذهب الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الثروة بلا رقيب، بهم يتمكنون من حصر الثروات، في أيدي ثلة من أعوانهم ولا حسيب، وبهم يتمكنون من إلقاء البلاد تحت أقدام التبعية للغرب والشرق بلا مساءلة، وسادتهم بدورهم يُملون عليهم الصورة المعتمدة للإسلام، وليس من قبيل المصادفة أن أكثر الدول التي تعمل على تجديد الخطاب الديني المزعوم وتُحمل النصوص الإسلامية مسؤولية التطرف، هي أكثر الأنظمة انبطاحا وتبعية للبيت الأبيض، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ردًا على ادعاءات ماكرون: حقيقة “الاحتلال” العثماني المزعوم للجزائر

– الأخوان بربروس (عروج وخير الدين) كانا يمثلان الوجود العثماني في الجزائر بشكل غير مباشر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *