الرئيسية / مقالات / نماذج التعاطي الديني مع الواقع السياسي العربي

نماذج التعاطي الديني مع الواقع السياسي العربي

الأحداث الأخيرة التي تعصف بالمجتمع العربي تجعلنا أمام ثلاثة نماذج (أيديولوجية) دينية بارزة تعاطت بطرق مختلفة مع هذه الحوادث ونقصد هنا الربيع العربي و”الربيع” المضاد الذي تقوده الأنظمة العميقة الفاسدة.

هذه النماذج تتبنّى خطاباً خاصا بها وهي ليست طارئة على المشهد إنما لاختلاف تعاطيها مع الأحداث أردنا أن نستعرضها سريعاً من باب التوصيف لا أكثر.

النموذج الأول المعروف بالإسلام السياسي ورائده “الإخوان المسلمون” الذي يؤمن بالديموقراطية والانتخابات كوسيلة اضطرارية للغاية الكبرى في ظل الأنظمة الفاسدة وينادي بالإصلاح المتدرج وسلميّة المسيرة كما أعلنها مرشد الإخوان محمد بديع عقب أحداث رابعة الدموية “إن ثورتنا سلمية وسلميّتنا أقوى من الرصاص”.

ولعل خبرة هذا النموذج وتجاربه المريرة جعلته  يتخذ المنهج “الناعم” ويؤمن بواقعية الطرح والمرونة المستطاعة مع الإيمان بالتضحية والصبر والانخراط في المجتمعات.

النموذج الثاني هو فكر جديد قديم وهو التغيير بالقوة والسلاح ويمثله تنظيم “القاعدة” وإفرازاته  ويتمحور هذا النموذج حول فكرة إعادة “الخلافة” وتوحيد الحاكمية وتطبيق الشريعة بتفاصيلها، شعبيّة هذا النموذج تأتي أحيانا من حالة الحنق والغضب على واقع الشعوب وبشاعة الأنظمة وروح البحث عن تغيير حقيقي وملموس على أرض الواقع بعيداً عن الشعارات وتنظيرات النخبويين بغض النظر عن صوابيّة هذا النموذج لكنه يستهوي قطاعاً كبيراً من الشباب.

الأنظمة ساهمتْ في مقبوليّة هذا النموذج لأنهم انقلبوا على الحل الديمقراطي والسلميّة وساموا أهلها العذاب والاعتقال..فلم يبق للمظلومين والحانقين على أنظمتهم إلا الحل “الجهادي” المتمثل في توجهات القاعدة  فالعربي يؤمن بمقولة “لا يفل الحديد إلا الحديد”. رغم أن حالة ولع الشباب بالنموذج “الجهادي” قد تكون لبعضهم هي “نزوة فكرية”  أو ردة فعل لحظيّة  كما يرى (كرم زهدي) أحد مؤسسي “الجماعة الإسلاميّة” المصرية.

النموذج الأخير وهو نموذج غريب الأطوار ومثاله هو حزب النور المصري ..لم  نقل السلفية لأنها غير محصورة بهذا الحزب ..هذا النموذج  متهم بالتلوّن القوس قزحيّ والتكيّف الموسمي مع السُّلطة ويتطوع لشرعنة النظام الحاكم وإلجام المعارضين بخطاب فقهي تقليدي.

 فهي ناصرت مرسي في رئاسته وعارضته أحيانا بانتهازيّة “دينية” وتخلت عنه لصالح السيسي “ولي الأمر المتغلب” وتعاملت في العهد السيساوي بروح أقرب للعلمانية البراغماتية منها لشعارها “السلفي” كما في لجنة الخمسين بل تحولوا دراماتيكياً لحالة استفزازيّة حيث أن هذا الحزب يعتبر سكوته على “بلاوي” الحكم الانقلابي  فضيلة ليست عند غيره بدعوى استقرار البلاد وتمكين “ولي الأمر” !!
 ويرون أن السيسي صمام الأمان لمصر من “الأنجلو- صهيو- أمريكية” رغم أنهم أول المباركين والراعين له !!! هذا النموذج يتخذ من النصوص الفقهية وسيلة لتسويق مواقفه وبالأخص معضلة “ولاية المتغلب” وهي مسألة فقهية أنزلوها على السيسي لشرعنة انقلابه ومباركته فقهياً رغم أن السيسي لا يعتبر نفسه “ولياً منقلباً” أو “متغلباً” بل يزعم أنه جاء بإرادة شعبية استحقاقيّة تفويضيّة وهنا مفارقة أن هذا النموذج يعترف بالجريمة لكنه يلبسها ثوبا دينياً “باسم الله ورسوله” وكما قال الدكتور (الريسوني):
إن هكذا نموذج هو “متخلف أكثر من الحكّام المستبدين أنفسهم”. 

الكلام يطول في هذه النماذج أو غيرها لكن أردنا تقديم توصيف مقتضب لهذه النماذج الماثلة للعيان.

بقي أن نقول إنها كلها تمارس سياسة الاستقطاب وحشد الأنصار وتسويق الأفكار وتسويغ المواقف بل كل واحدة منها تطرح نفسها كبديل عن الأخرى مع الطعن فيها ونقضها بسيف النصوص الشرعية أو العقل والمنطق ..

هي حيرة تصيب العربي في تبني واحدة من هذه النماذج أو نبذها كلها أو التوقف الحيادي فيها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

عندما تكون السلعة أسمى من الإنسان

«من قال إن المال لا يشتري السعادة لم يذهب إلى بلومنجديلز» تعليق طريف لأحد قراء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *