الرئيسية / مقالات / أدب / أعينوني بقوة..

أعينوني بقوة..

يقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله: «حملة الأقلام فينا كثير، ولكن المُصيب المُسدّد منهم قليل، وكما يحتاج السيف إلى ساعد قوي، يحتاج القلم إلى فكر مسدّد، وإنّ أقلامنا اليوم كالسيوف التي قال فيها الأولون:

فهذي سيوف يا عدي بن مالك

كثير.. ولكن أين بالسيف ضاربُ

وقد نُقل عن الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر رحمه الله: « إن الأديب الحُر ينتفض تقززاً واشمئزازاً كلما انبعثت روح حقارة المجتمع من وراء الرّمم الأخلاقية المموّهة بالنفاق، والتي أقيمت عليها أصنام منصوبة للعظَمة الباطلة الجوفاء.

وهو أشد انتفاضاً وانتقاضاً حين يرمي ببصره إلى الأدب والعلم وهذه المعاني السامية فيرى الأدباء والعلماء أذلاء مستعبدين قد خضعت أخلاقهم للحاجة والضرورة والبؤس، فَهُم نواكص الأبصار إلى الأرض”.

هنا قد يتساءل القارئ الكريم صديق أسطري، والذي تشارك معي رحلتي مع الكتابة في نفسه، عن هذه المقدمة التي ابتدأت بها، عن مراميها!!، ليعلم أنما أُجبرت عليها لِلْكَمّ الذي ليس باليسير من الرسائل عبر صفحات التواصل الاجتماعي التي تُعنى بنشر أفكاري ومقالاتي وآرائي، وصلتني من قُرّاء أحترمهم، وأصدقاء، وذوي قرابة ونسب ورحم من بلادي، وهم يعتقدون أن ابنة كفرابيل إحسان سوف تسهم في تيسير قبول أبنائهم في المنح الدراسية في تركيا، أو تستثمر علاقاتها التي بنتها تحت مبدأ الاحترام المتبادل، والإنصاف والعدالة، من أجل تأمين وظيفة في قطر لأحدهم، أو في دول خليجية أو عربية أخرى، ويطلبون مني أن اتصل بفلان المسؤول أو فلان الوزير لتحقيق رغباتهم وتطلعاتهم.

يا بني قومي وسندي وعزوتي، إنني منذ قد كنت بينكم وأنتم تعلمون أني اخترت وضع استقلاليتي لذاتي وقلمي فوق أي اعتبار، وأني أرفض أن يتحدث قلمي إلا بما أُؤمن به من مبادئ وأفكار وقيم، وطموحات بأمة لا ينظر فقراؤها لأثريائها بعين الحسد، ولا ينظر أثرياؤها لفقرائها خيلاءً وتكبُّرًا، يتعبد فيها الجميع بقول الحق، وأن الأرض أولى بأبنائها من بلاد الغربة التي لا تفقه مفردات أغاني الحصاد، ولا الحكايات القديمة لجدّات الريف اللاتي تجري على ألسنتهن الحكمة التي أسالتها الفطرة السليمة.

ألا فلتعلموا أنكم تثقلون كاهلي وتوقعونني في الحرج البالغ بكثرة رسائلكم وإلحاحكم، وهو ما لا يطيقه القلب ولا تقبله النفس.

أراكم تسوقون إلى فضائل السعي في الحوائج، وأن (خير الناس أنفعهم للناس) وأنه (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)، إلى غير ذلك من النصوص النبوية التي أضعها نصب عينيّ دائمًا، بل على الرأس والعين وفي القلب هي، ولكن مهلا…..

 ليس ببعيد عنكم مثلنا الشعبي السائر (كل شي قُرضة ودين.. حتى الدمع بالعين)، فكيف تريدون لي حرية الكلمة واستقلالها، وصدق الرؤية والتوجه، في الوقت الذي تدفعونني لأقرع باب الحكام والمسؤولين لخدمة صديق العائلة، أو صديقة الطفولة، أو هذا الذي يربطني به النسب والمصاهرة، ومن ثمّ أقع في مصيدة استقطاب الأقلام لخدمة مشاريع ورؤى الأنظمة، وهو ما لم يحدث ولن، وكما قيل “القلم لسان اليد”، فكيف يكون القلم طليقًا واليد قد كُبّلت بالعطايا، هيهات هيهات…

وكما قال أهل الحكمة: «القلم أحد اللسانين» فإما لسان يستند عليه الحق وأهله، أو ينطق بلسان ولي نعمته وأمره.

ولله در شاعر حمص الشيخ أمين الجندي إذ يقول:

وَما مِن كاتِبٍ إِلا سَيفنى

وَيَبقي الدَهر ما كَتَبتَ يَداه

فَلا تَكتُب بِكفك غَير شَيءٍ

يَسرك في القِيامة إِن تَراه

إنما أتقرب بحروفي إلى الله، لا إلى الحاكم وحاشيته حتى لو كان بصفات الفاروق عمر، واللهَ أسأل القبول والإخلاص والثبات.

ومن كتاب “جدد حياتك” للشيخ محمد الغزالي رحمه الله أقتبس لكم ما تجددون به أفكاركم : «حرية الرأي هي حارسة العدالة في الشعب، والسياج الذي يكفّ الحاكم أن يستبدّ بأمور الناس..»، ولذلك يا بني قومي أعينوني بقوة لأثبت على ما آمنت به من أفكار ومنهج ومبادئ حاربت من أجلها بل وكافحت للحفاظ عليها سِنِي عُمري.

ولا أمُنُّ بذلك على أمتي وقرائي وقضيتي، وإنما أجعله حسبة لله، ولعل البعد عن الديار والأهل أشد وقعا على النفس من وقع الحُسام المهند، تلك الأرض التي أستنشق الشوق إليها مع إشراقة كل شمس في بلاد احتضنتني وآوتني ومنحتني جنسيتها، فباتت الوطن الثاني الذي تنعكس عليه أحاسيسي، ويعنيني أن يكون رائدا كوطني الأول الذي أرجو أن يعود أهله لأحضانه وهم اليوم فيه غرباء، قد أرهقتهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية الشاقة. إنها رسالة اعتذار جامعة لكل من أرسل لي، و ردًّا لمن طلب مني ما لا أطيقه، وإني لأتوسم فيكم تقدير موقفي، ولئن أصارحكم خير لي ولكم من أن أخدعكم وأُماطلكم،  والله من وراء القصد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *