الرئيسية / مقالات / الشأن التركي / ميزان البطيخ…الإسلاميون إذ يصنفون أردوغان

ميزان البطيخ…الإسلاميون إذ يصنفون أردوغان

سأل المأمون أبا عباد الكاتب: بم تستدل على حمق الرجل؟ فقال: إذا رأيت الرجل يحب الشاهلوج (البرقوق) ويبغض البطيخ فهو أحمق، فدخل عليهما رجل سأله المأمون عن البطيخ، فذكر له مساوئه، فسأله عن الشاهلوج فقال: سماه كسرى سيد أجناسه، فالتفت المأمون إلى أبي عباد الكاتب قائلًا: الرجل الذي كنا في حديثه أمس من تلامذة كسرى في الحمق.

وهكذا يضيع المنطق من ميزان البشر عندما يُخضعون تقييم الآخرين للذائقة والأهواء والنظرة الأحادية.

فقدنا المعايير السليمة الواعية في تقييم الأشخاص والكيانات والدول، فصار كل واحد منا يُفصِّل معايير خاصة به للتقييم حتى وإن انطلق في الظاهر من أيديولوجية ومنهج، فأصبحنا نزن الآخرين بميزان البطيخ.

أردوغان شخصية مثيرة للجدل، ليس لشخصه فحسب، وإنما لوقوعه تحت طائلة التصنيفات من الإسلاميين، والذين اختلفوا فيما بينهم في تقييمه وتصنيفه، وهو ما خلق حالة من التنازع والتراشق بين تيارين من التيارات الإسلامية حول الرجل، كلاهما قد نأى عن الصواب.

هناك اتجاه من الإسلاميين يعتبر أن أردوغان – بسبب جذوره الإسلامية – يمثل انتصارًا للحركة الإسلامية، ويتعاملون مع باعتبار أنه زعيم الأمة.

هؤلاء يضرون أردوغان وحزبه وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، فمن الخطأ الترويج لفكرة أن الرئيس التركي يمثل امتدادًا لمشروع إسلامي في الوطن العربي، أو أنه نواة لإقامة خلافة إسلامية على منهاج النبوة، لأنهم يحملون طاولته السياسية أكثر مما تحتمل، ويمنحون خصومه فرصة للتحدث عن مشروع عثماني إسلامي يستوجب الحذر والتنبيه والمواجهة، سواءً في الغرب أو داخل أروقة الأنظمة الدكتاتورية في الوطن العربي.

وهذا الاتجاه رغم بعده عن المعايير الدقيقة الواعية ، إلا أنه قد يلتمس له العذر نوعًا ما، نظرًا لتعطش الأمة الإسلامية إلى زعيم يتعاطى مع قضاياها، خاصة وأن للرجل مواقف مشرفة لا ينكرها إلا جاحد، إضافة إلى فتح أبواب بلاده للفارين من بطش الأنظمة المستبدة.

في مقابل هذا الاتجاه، يبرز تيار آخر أكثر تطرفًا يحاسِب أردوغان على تلك الخلفية الإسلامية التي رسمها الفريق الأول، ومن ثم انسلت أقلام ذات نفس إسلامي للتشهير بأردوغان بدعوى فضح علمانيته، وادَّعوا أنه أشد خطرًا من السيسي وابن زايد وابن سلمان، بزعم أن هؤلاء مكرهم واضح، بينما أردوغان يستتر وراء الانتصار لبعض المظاهر الإسلامية التي لا تعبر بالضرورة عن مجتمع إسلامي مثل الحجاب ودور تحفيظ القرآن.

هؤلاء لم يفقهوا حقيقة أن شؤون الأفراد تختلف عن شؤون الأمم، وإدارة الذات تختلف عن إدارة الدولة، حيث أن للمرء أن يُغلّب جانب الاحتياط والورع مع نفسه، بينما يكون للولاة شأن آخر، حيث الحركة في المساحات الخضراء التي تركتها الشريعة، والنظر في فقه المقاصد والقواعد الفقهية، وفقه الأولويات والمصالح والمفاسد، فالنجاشي وهو من التابعين ظل يحكم الحبشة بقوانينهم النصرانية رغم أنه كان مسلما، وعمر بن الخطاب رأى أن حد السرقة لا يُقام في سنة (مجاعة) بما يعني تعليق الحكم لا تعطيله.

فاتَ هؤلاء المتشدقين أن أردوغان وفريقه وجدوا أمامهم ميراثًا ثقيلًا من العلمانية الأتاتوركية التي صبغت وجه الحياة بتركيا، وأن سُنَّة التدرج تقتضي عدم الصدام مع المألوف، فما يفعله أردوغان أنه لم يقيد العلمانية، بل أطلق يد التعاليم والشعائر الدينية، وترك للتفاعل المجتمعي ترجيح إحدى الكفتين.

يحملونه مسؤولية بيوت الدعارة والحانات المرخصة وكأنها أقيمت في عهده، ويريدون منه بضغطة زر أن يزيل مظاهر الانحلال طالما تولى أمور البلاد، متغافلين عن سطوة العلمانية التي لا تزال جاثمة على الصدور.

لقد كان من فقه ابن تيمية تقديره للمصلحة والمفسدة، إذ كان ينهى أصحابه عن الإنكار على التتار وهم يشربون الخمر، لأنهم إذا أفاقوا قتلوا المسلمين، والظن أن أردوغان لو سعى لقتل مظاهر العلمانية والانحلال على النحو الذي يريده هذا الصنف من الإسلاميين لأُطيح به، وغرقت الدولة في مزيد من علمانيتها.

هؤلاء لم ينظروا إلى أن أردوغان لا يُغيّر بنفسه، وإنما يعد جيلًا للتغيير، بينما يبقى الجيل الحالي له حق الرعاية، هكذا قال، وفي سبيل ذلك يطلق مبادرات لتربية الناشئة، كان منها تلك المبادرة التي أطلقها في أحد مساجد منطقة الفاتح بإسطنبول، حيث يحصل الطفل على دراجة هوائية إذا ما انتظم في صلاة الفجر بالمسجد لمدة أربعين يومًا، وهي المدة التي تجعل الطفل يألف صلاة الفجر حتى تصير عادته.

هؤلاء تكلموا عن الدعارة والخمور في تركيا، وتجاهلوا الطفرة الاقتصادية التي أحدثها أردوغان وحزبه، يتحدثون أن تغريدة من ترامب هزت اقتصاد تركيا، وتجاهلوا أن الاقتصاد ظل صامدًا ضد الصلف والغرور الأمريكي والتآمر الدولي والعربي لضرب الليرة التركية لإعادة تركيا إلى الحظيرة الأمريكية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ” فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الرَّجُلُ وَيَنْهَى عَنْ نُورٍ فِيهِ ظُلْمَةٌ . إلَّا إذَا حَصَلَ نُورٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهِ”، لكن هؤلاء القوم لا يفقهون هذه المعاني، فحتى يثبت أردوغان أنه ليس علمانيًا، فعليه أن يطبق الشريعة، وأن يقاطع الأمريكان والصهاينة وإيران وروسيا، ويعلن حرب التحرير لبلاد الإسلام وإلا فليذهب إلى الجحيم.

ولا أدري كيف يكون أردوغان عميلًا للأمريكان وطفلهم المدلل وهو دائم التمرد على التبعية لهم، ويعاملهم معاملة الند للند، ويبرم اتفاقيات مع دول تعادي أمريكا، ويعارض قرار ترامب بنقل السفارة إلى القدس والاعتراف بأنها عاصمة للصهاينة.

ولا أدري كيف يتهم أردوغان بسفك دماء السوريين وهو الذي عمل باستمرار على إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري، وقدم إغاثات للشعب السوري واستضاف الملايين منهم، وكانت تركيا من أكثر البلاد دعمًا للمعارضة وأشدها وقوفًا في وجه النظام في المحافل الدولية.

هؤلاء يريدون لأردوغان أن يدخل في عزلة دولية كافح وناضل للخروج منها، يريدون له الصدام مع العالم حتى يثبت سلامة هويته الإسلامية.

على الإسلاميين بجميع فصائلهم النظر بواقعية في تقييم أردوغان، فالرجل ليس شيخًا، وليس رئيسًا لجماعة من الجماعات الإسلامية، وليس خليفة المسلمين المنتظر، إنما هو رجل ثبتت وطنيته وانتماؤه لبلده والحرص على تقدمها وازدهارها، وإعادة هويتها الثقافية.

وفي الوقت نفسه ليس أردوغان رئيسًا علمانيًا يفصل الدين عن الدنيا، وإنما هو زعيم مسلم محافظ، يسعى لإزالة العقبات أمام الصبغة الإسلامية القديمة لوطنه، ويسعى لتأمين حدود بلاده، والوقوف المشرف في القضايا الإقليمية والدولية، ونصرة المظلوم وإرساء قيم العدل والأمان والسلام. تلك نصيحتي للإسلاميين بمختلف توجهاتهم: عندما تُقيّمون أردوغان فدعكم من التصنيفات والأدلجة والتقييم بميزان البطيخ هذا، وانظروا إلى إنجازاته التي لا تجدون معشارها في بلادكم، وانظروا إلى بعض مواقفه التي توارى حكامكم عن الإتيان بمثلها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ردًا على ادعاءات ماكرون: حقيقة “الاحتلال” العثماني المزعوم للجزائر

– الأخوان بربروس (عروج وخير الدين) كانا يمثلان الوجود العثماني في الجزائر بشكل غير مباشر، …

9 تعليق واحد

  1. والله تحدثتي بما يجول في نفسي بأبلغ تعبير وأحسنت الشرح والتوضيح وأظهرت مواطن الغموض التي طالما أمضينا فيها ساعات لإفهام ذوي العقول السميكة فتح الله عليكي وزادك من فضله

  2. لأول مرة أضطلع على مقال لك : أعجبت جدا بأسلوبك وطريقة تناولك للأمور والتى تنم عن ثقافة واسعة ورجاحة عقلك وعينك المبصرة ببواطن الأمور وليس الظاهر أو القشور وأقيمك بأنك كاتبة ومفكرة من الطراز الأول وفقك الله

  3. الله يفتح عليك يا أخت إحسان بفتوح العارفين…
    فقد وضعت الطين في عيون الحاقدين

  4. من أفضل ما قرأت في هذة القضية .. الكلام الموزون يريح النفوس و يدحض حجج بائعي البطيخ !

  5. كلما قرأت لك شعرت أنني امام العقاد او حافظ وشوقي ولازلت لا اصدق ان هناك فيلسوف امرأة ليس تعصبا للرجل ولكن هذا المنطق العميق والرأي السديد ووجهات النظر الرائعة المتمنطقة لم ارها لعظيمات الكاتبات العرب فإن كنتي امرأة بهذا العقل فهذا شرف عظيم للعرب ونور ابص يسطع في زمن ساده السواد

  6. جزاك الله خيرا،،أستاذتنا احسان،،وسدد على طريق الخير خطاگ،،

  7. سيدتي توضيح مجمل ومحترم دائما تتصفيف بالواقعية واني ارى ان الجناح اﻻول اكثر ضررا ﻹردوغان ﻻنه يسوقه سوقا للمواجهة مع الغرب واصنام حكام العرب نعم اردوغان ما هو اﻻ رئيس احب بﻻده واخلص في عمله فﻹ هو سلطان الكسلمين ولن يكون ﻻ هو يريد ذلك وﻻ امكانياته وعصره يسمح بذلك

  8. يتبع الرجل سياسة القوى الناعمة والخشنة أحيانا بنجاح منقطع النظير ، أتمنى من الله أن يرزقنا بحكام ناجحون من أمثال هذا الحاكم الحكيم .

  9. عبدالعزيز الحاج

    زادك الله فقها وتبصرا وحكمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *