العبث في تنزيل النبوءات على الأحداث يخدم المشروع الإسرائيلي

لا شك في أن البعد الديني أصبح حاضرًا بقوة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى.

ففي حين تتعاقب التصريحات من نتنياهو ورجال حكومته اليمينية المتطرفة حول دولة إسرائيل الكبرى المستندة إلى تفسيرات توراتية، نرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجلس على مكتبه وحوله جمع من القساوسة يباركونه في حربه، وتتدفق مئات الشكاوى من ضباط وجنود أمريكيين بأن قادتهم أخبروهم أن الحرب على إيران مباركة من يسوع، وأنها ستؤول إلى معركة هرمجدون المنتظرة، بل وصف ضباط الجيش ترامب بأنه المسيح المخلص.

كما أن السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال مايك هاكابي قد أكد خلال مقابلة مع الإعلامي تاكر كارلسون أن أرض فلسطين قد أعطاها الرب من خلال إبراهيم (عليه السلام) لشعب اختاره، ومن ثم لا يرى بأسًا في استيلاء إسرائيل على مناطق في الشرق الأوسط.

نتنياهو قد أطلق على الهجوم على إيران اسم “درع يهودا” قبل أن يغيره إلى “زئير الأسد” لإضفاء الطابع الهجومي على العملية وفقا لمحللين، كما أنه تحدث دون مواربة عن القضاء على المحور الشيعي واتجاهه للقضاء على المحور السني.

مظاهر حضور البعد الديني في سياسات وتصريحات القادة الأمريكان والإسرائيليين كثيرة قد طغت على المشهد، ما أثار فئاما من أمتنا العربية والإسلامية لاتخاذ موقف مضاد تستدعي فيه النبوءات وتقوم بتنزيلها على الأحداث والوقائع الجارية.

أبرز هذه النبوءات التي أسقطها الكثيرون على الأحداث الراهنة، هي التحالف بيننا وبين الغرب لقتال عدو مشترك، وهو إيران وفقا لهذا التنزيل المتعسف.

يستند هؤلاء إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعضه: “تُصالحون الرُّومَ صُلْحاً آمِناً حَتَّى تَغزُوا أَنْتُمْ وهُم عَدُوّاً مِنْ وَرَائِهِمْ فتُنصَرُون وتَغنمُون”، فذهبوا إلى أن الحديث ينطبق على الحالة الراهنة، فإيران هي عدو لأمريكا والغرب، وهي كذلك عدو للدول العربية التي تستهدفها بالصواريخ الإيرانية وتنتهك سيادتها.

هذه التنزيلات المتعسفة للحديث على الواقع تعد صورة من صور العبث بالنبوءات وأشراط الساعة، على الرغم من أنها منقوضة في مضمونها وحقيقتها مع تصديقنا الجازم بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

فيكفي في دحض هذا الادعاء أن هؤلاء المتعسفين قد أقحموا الإسرائيليين في هذا التحالف الوارد بالحديث، على الرغم من أنهم ليسوا من الروم، فالروم هم أبناء رومي أو الروم بن عيصو بن إسحاق كما جاء في لسان العرب، ويمثلهم في هذا العصر الغرب الأمريكي والأوروبي، فلا يدخل فيهم بنو إسرائيل ولا يدخل فيه غيرهم من الأجناس لا عرب ولا عجم، علمًا بأن هؤلاء الإسرائيليين المحتلين لفلسطين من أجناس وعرقيات مختلفة، ولا ينتمون إلى بني إسرائيل، لكن الصهيونية قد عملت على تحويل اليهودية من ديانة إلى قومية حتى يستقيم لها الاستيطان في أرض فلسطين، وهو ما يرفضه بعض اليهود المتدينين في الخارج والذين لا يرون جواز إقامة دولة لليهود لأن ذلك مخالف لأمر الله الذي عاقبهم بالتيه في الأرض بحسب عقيدتهم.

إذًا، فالإسرائيليون الذين هم الطرف المباشر في الحرب ضد إيران، ليسوا من الروم، وبناء على ذلك يتهاوى هذا التنزيل الفاسد للحديث على الواقع.

وكيف يتحالف العرب والمسلمون مع هؤلاء المحتلين الغاصبين، بل جاءت الأحاديث النبوية في قتالهم والانتصار عليهم.

من هنا ندرك أن هناك من يريد ترجمة وإسقاط وتنزيل الحديث النبوي على هذا النحو من أجل الزج بالعرب والمسلمين في هذه الحرب، مستغلين في ذلك العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج، وإنما يراد بهذا الزج أن تتحمل دول الخليج فاتورة الحرب مع إيران وتندفع لطرق أسواق السلاح الغربي لتغطية متطلبات الحرب، وحتى تنهدم الأسس التي شكلت نهضتها وهي الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستقرار الاقتصادي، وهو ما يصب في صالح المشروع الصهيوني الذي يرمي إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط الذي تكون الهيمنة المطلقة فيه للكيان الصهيوني تمهيدًا لتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

نحن لا نشك في أن إيران تناصب الدول العربية العداء، وأن لها مشروعها التوسعي في المنطقة كما أن لإسرائيل مشروعها، ولا نشك أنها تسببت عبر أذرعها واستغلالا لولاية الفقيه في إضعاف وتخريب دول أهمها العراق وسوريا واليمن، لكن في الوقت نفسه لا نريد للدول العربية أن تنساق وراء ما يراد لها من المواجهة مع إيران، دفعًا لأضرار أكبر من احتمال الضربات الحالية، والاكتفاء بالدفاع عن أراضيها دون الرد على الهجوم إلى أن تنتهي هذه الحرب.

هذا العبث بالنبوءات يخدم المشروع الصهيوني، فعلى ذلك ينبغي الحذر من ترويج هذا الربط الواهي، وعلى علماء ودعاة المسلمين أن ينشطوا في توعية الناس بخطورة تنزيل النبوءات في غير موضعها، وعدم الانجرار وراء طموحات القاعدين والمتقاعسين الذين لا بضاعة لهم سوى انتظار أحداث آخر الزمان وعهود التمكين والازدهار المُبشّر بها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا يسهل شتم القريب… ويصعب لعن العدو؟

ليس السؤال: لماذا يُشتم الخليج والأردن؟ السؤال الذي يجب أن يُقلقنا حقًا هو: لماذا يسهل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *