الخلط بين الموقف السياسي والأعراف الدبلوماسية

هناك خلطٌ مقصود بين الموقف السياسي والأعراف الدبلوماسية.

أكتب هذا بعد أن أرسل إليَّ بعض الإخوة يقول:

” بعض حكام العرب قدّموا التعزية في بيريز، جزار الهاجاناه وسفّاح قانا”.

ويضيف آخر:

“لا تكوني ملكية أكثر من الملك. الملك نفسه أرسل تعزية لإيران حين سقطت المروحية قبل مدة وأودت بحياة رئيسها إبراهيم رئيسي ووزير خارجيتها وعدد من المسؤولين الذين تعتبرينهم قتلة ومجرمين. فهل لم يكونوا كذلك حين أُرسلت التعزية؟”

جوابي بسيط:

الدول لا تُدار بمنطق الانفعال، ولا تُقاس مواقفها ببيانات التعزية التي تُصدرها وفق بروتوكولات العلاقات الدولية.

فالتعزية في الأعراف الدبلوماسية ليست شهادة تزكية، ولا إعلان مودة، ولا تبرئة للتاريخ.

إنها إجراء رسمي يحدث بين الدول حتى في أشد حالات الخصومة.

لكن هذا لا يعني – بأي حال – أنني كمواطنة أردنية مطالبة بأن أصفّق لكل ما يصدر في هذا الإطار أو أن أتبناه أخلاقيا ..

فأنا وبكل صراحة : لست فخورة بأي تعزية تُقدَّم في حقّ من أرى فيهم قتلة أو مجرمين، سواء صدرت من ملك أو حكومة أو أي شخص آخر.

ومن حقي أن يكون لي رأي خاص مستقل..

والحمد لله الذي عافاني من المناصب الرسمية والوظائف الحكومية، حتى لا أُضطرّ يوما إلى ممارسة ما تفرضه البروتوكولات الدبلوماسية من مجاملاتٍ لا تنسجم مع قناعاتي الأخلاقية.

ثم إن هذا كله لا يحشرني في زاوية، ولا يُفحمني كما يتخيّل البعض.

فمن حقي – كمواطنة – أن أطالب حكومتي بإصدار قانونٍ يجرّم ذهاب أي مسؤول أو شخصية عامة أو أي أفراد لتقديم التعازي في نظامٍ لا يزال يقصف بلدي ويهدد أمن أهلي وقومي.

هذا ليس تناقضاً، بل موقف واضح:

الدبلوماسية قد تفرض على الدول إجراءات بروتوكولية، لكن الشعوب ليست ملزمة بأن تصمت أخلاقياً تجاه من يعتدي عليها.

أما محاولة المقارنة بين تعزية بروتوكولية في حادث طيران وبين تاريخ أشخاص أو أنظمة، فهي تبسيط ساذج لعالم معقّد اسمه العلاقات الدولية.

فالدول قد تختلف، بل قد تتحارب، ومع ذلك تبقى قنوات البروتوكول قائمة لأن السياسة ليست خطاباً عاطفياً، بل إدارة مصالح وتوازنات واستقرار إقليمي.

والتاريخ يعلمنا أن بيانات التعزية لا تغيّر شيئا من حقيقة المواقف.

فالمواقف تُقاس بما تفعله الدول على الأرض، لا بما يُكتب في سطر بروتوكولي عند وفاة مسؤول أو وقوع حادث.

إن من يختزل سياسات الدول في بيان تعزية يشبه من يختزل كتابا كاملا في عنوانه.

الدبلوماسية أوسع من ذلك بكثير، وأعقد من أن تُفهم بمنطق الشعارات.

أكرر :

التعزية في الأعراف الدولية بروتوكول، لا موقف سياسي، ولا شهادة براءة لأحد.

أما التاريخ فيُكتب بالأفعال، لا بعبارات المجاملة الدبلوماسية.

أما الأفراد الذين يذهبون للتعزية في قاتلٍ مجرم، فذلك ليس رأياً شخصياً عاديا، بل مؤشر خطير على اختلال البوصلة الأخلاقية في المجتمع، لأن تعزية القتلة ليست مجاملة… بل تطبيع مع الجريمة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ملامح السياسة السورية تجاه حزب الله

شكّل سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع إلى قيادة السلطة في سوريا، نقطة تحول مفصلية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *