أزمة الانتماء في زمن المحاور

ثمة لحظات في حياة الدول تكشف ما هو أعمق من السياسة، وأخطر من الاختلاف في الرأي….

لحظات لا تُقاس بميزان الجدل، بل بميزان الانتماء….

وما جرى حين توجّه بعض الأردنيين إلى سفارة إيران، في اللحظة نفسها التي كانت فيها صواريخ ومسيرات الحرس الثوري تهدد سماء المنطقة وأمن دولها، ليس مجرد موقف سياسي أو وجهة نظر، بل صورة مكثفة لخلل أخلاقي في فهم معنى الوطن وحدود الولاء.

الدول لا تقوم فقط بالقوانين والجيوش، بل تقوم أولاً بما يسميه الفيلسوف إرنست رينان “الاستفتاء اليومي على العيش المشترك”.

أي أن كل يوم يختبر سؤالا بسيطاً: لمن تنحاز حين تتقاطع المصالح والولاءات؟ للأرض التي تحميك، أم للسرديات التي تُغريك؟

الأردن ليس دولة طارئة على الخريطة، بل وطن صمد في واحدة من أعقد البيئات الجيوسياسية في العالم. منذ عقود، وهو يعيش في قلب الإعصار الإقليمي:

– حرب في فلسطين،

-فوضى في العراق،

– انهيار في سورية،

-توتر في الخليج….

ومع ذلك ظل الأردن يحافظ على استقراره بجهد سياسي وأمني واقتصادي هائل، وبكلفة يدفعها شعبه كل يوم.

في مثل هذا السياق، تصبح زيارة سفارة دولة تتهمها تقارير دولية وأمنية بتصدير الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة إلى المنطقة، موقفاً يتجاوز حدود التعاطف السياسي…

إنه أقرب إلى ما يسميه مالك بن نبي “القابلية للاستعمار”، لكن بصيغته الجديدة: قابلية الارتهان لمشاريع خارجية تُلبس نفسها لباس القضايا الكبرى.

المفارقة أن المشروع الإيراني لم يعد سرا…

فمنذ سنوات، يعلن قادته صراحة أنهم بنوا “محورا يمتد من طهران إلى البحر المتوسط”…. والمرشد الإيراني نفسه تحدث مرارا عن أن حدود نفوذ بلاده لا تقف عند جغرافيتها….

هذه ليست قراءة خصوم، بل تصريحات أصحاب المشروع أنفسهم.

وقد رأى العرب نتائج هذا المشروع بعيونهم:

-في العراق حيث تحولت الدولة إلى ساحة نفوذ للميليشيات التي ذبحت العراقيين على الهوية السُنية…

– وفي سورية حيث سالت دماء مئات الآلاف تحت شعار “الدفاع عن محور المقاومة”….

– وفي لبنان حيث أصبحت الدولة رهينة سلاح خارج مؤسساتها.

– وفي اليمن حيث تحولت جماعة مسلحة إلى ذراع إقليمية تطلق الصواريخ على العواصم.

السؤال هنا ليس عن موقفك من إيران كدولة، ولا عن رأيك في صراعها مع إسرائيل أو الولايات المتحدة….

فهذه معادلات دولية معقدة، يختلف الناس في قراءتها…

السؤال أبسط بكثير: هل يجوز أن يُستدعى التعاطف الأيديولوجي في اللحظة التي يكون فيها أمن بلدك نفسه تحت التهديد؟

الوطن ليس وجهة نظر….

الوطن هو الحد الأدنى الذي تتفق عليه كل وجهات النظر.

في الفلسفة السياسية هناك قاعدة قديمة تقول: “الخلاف يبدأ بعد الاتفاق على البيت”….

أي يمكنك أن تختلف في السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا، لكن بعد أن تتفق أولاً على حماية السقف الذي يظللك أنت وأهلك وأحبابك ..

من هنا تبدو المشكلة أعمق من حالة عابرة …

إنها أزمة وعي لدى من يتعامل مع الدول كأنها شعارات، لا ككيانات يعيش فيها الناس ويُدفنون في ترابها.

الأردن ليس منصة لصراعات الآخرين، ولا حديقة خلفية لمشاريع الميليشيات. إنه وطن له سيادته وحدوده ومصالحه….

ومن حقه الطبيعي أن يتوقع من أبنائه شيئاً بسيطاً جداً: أن يكون الأردن أولا.

ليس المطلوب أن نكره أحدا… ولا أن نعيش في حالة عداء دائم مع العالم.

لكن المطلوب ألا يتحول بعضنا إلى صدى لأجندات خارجية، ولا إلى “زبائن سياسيين” لمشاريع لا ترى في أوطاننا إلا ساحات نفوذ.

التاريخ يعلّمنا درساً واضحا:

الدول لا تسقط حين يهاجمها الأعداء، بل حين يختلط عند بعض أبنائها معنى الوطن بمعنى القضية، ومعنى التضامن بمعنى الارتهان.

وحين يحدث ذلك، لا تصبح المشكلة في صواريخ الخارج فقط…

بل في الشقوق التي تظهر داخل الجدار نفسه…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا يسهل شتم القريب… ويصعب لعن العدو؟

ليس السؤال: لماذا يُشتم الخليج والأردن؟ السؤال الذي يجب أن يُقلقنا حقًا هو: لماذا يسهل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *