في كل عام تعود الأسئلة نفسها، لا لأن القضية كبيرة بحد ذاتها، بل لأنّها تمسّ ما هو أعمق: “الهوية….” ..
وحين يكون الإنسان ابن وطن متعدد الأطياف مثل الأردن، يصبح السؤال أكثر حساسية: كيف أحفظ ديني دون أن أجرح جاري؟
وكيف أُجامل الطيبين والشرفاء من الناس حولي دون أن أُذيب ملامحي؟
أنا مسلمة…. وهذه ليست “يافطة” ولا مزايدة، بل معنى يُرتّب خياراتي…
وأنا أردنية كذلك، وأعرف أنّ بيننا أبناءَ وطنٍ مسيحيين هم من نسيج هذا البلد، لهم في القلب احترام أصيل وحقّ كامل في الأمن والسلامة والعيش الكريم، دون أن يعني ذلك أن أتجاوز ما أعتقده دينا أو أُلبسه ثوبا آخر…
لهذا أقولها بهدوء:
الامتناع عن المشاركة في طقوس دينية لا يعني عداء لأصحابها …
كما أنّ احترام مشاعر الناس لا يقتضي أن أتقمّص شعائر غيري…
هذه قاعدة إنسانية قبل أن تكون فقهية:
كل جماعة لها مواسمها الدينية الخاصة، ولها حساسيةٌ تجاه حدودها.
وقد رأينا في العالم كله، حتى داخل الديانات نفسها، اختلافات حول معنى الاحتفال وبعض رموزه؛ فهناك طوائف مسيحية لا تحتفل بهذه المناسبة من الأصل لأسباب عقائدية، وهناك داخل اليهودية من ينظر لبعض الرموز الموسمية نظرة تحفّظ صارمة…
وهذا الاختلاف لا يجعل أحدا “يكره” أحدا، بل يدلّ على أن الناس تفهم دينها على نحو يحدّد مواقفها.
المشكلة حين يتحوّل الاختلاف إلى تجريح….
وحين يتحول النقاش إلى استعراض “طهارة” على حساب الآخرين.
وحين تخرج من أفواهنا كلمات تُجرح بها كرامات الناس أو تُختزل بها دياناتهم وتواريخهم…
في الأردن نحتاج إلى لغة أهدأ:
لغة تقول للمسلم: لك حقّ أن تحفظ دينك وحدودك دون أن تستحي…
وتقول للمسيحي: لك حقّ أن تعيش موسمك بأمان وكرامة دون أن يُشعرك أحد بأنك دخيل…. لأنك أصل وحاشا لله أن نراك دخيل..
ثم تقول للجميع: نحن لسنا مضطرين أن نُشابه بعضنا حتى نتعايش، يكفي أن نحترم بعضنا…
أنا لا أحتفل بالشعائر الدينية لغيري، لأنني لا أرى ذلك منسجما مع التزامي الإسلامي، ولا أطلب من أحد أن يفهم ديني نيابة عني أو يُخفّفه ليرتاح.
لكنني في المقابل، لم أؤمن يوما أن التمسُّك بالهوية يمرّ عبر إهانة الناس، ولا أن التدين يُقاس بارتفاع الصوت أو كسر القلوب او احتقار خلق الله…
لا أُصادر حقّ غيري في أن يعيش إيمانه كما يراه، ولا أسمح لنفسي أن أتعالى على أحد بسبب مُعتقده، فالله وحده يتولى السرائر والمصائر…
أذكر ذلك جيدا…
كان وقت صلاة المغرب قد حلّ، ومُكبّرات الصوت تُنادي “الله أكبر” والمطر يهطل بغزارة، والبرد قاس جدا، والشارع خالٍ من الناس والدكاكين غادر أصحابها مبكرا، وكلب يلاحقني في عتمة الطريق….. لم أجد وسيلة نقل تأخذني إلى سكن الطالبات، وكنت يومها أدرس في جامعة مؤتة في مدينة الكرك جنوب الأردن.
الذي توقّف لمساعدتي لم يكن مسلما….
بل كان قسيسا من أهل الكرك، ونادى زوجته التي لن أنسى دفئها وخوفها عليّ ثم أوصلوني إلى سكن الطالبات مأمونة مُكرّمة، ولم يكتفِ بذلك، بل جاء في اليوم التالي مع زوجته وكان يناديها “الخورية” – ليطمئن عليّ بنفسه، وكأنني إحدى بناته.
بعدها، نشأت بيننا علاقة إنسانية جميلة، عميقة، نظيفة… أفخر به وبها..
لم يُحرجوني يوما بديني، ولم يسألوني عن نقابي حيث لم يكُن يظهر في ذلك الوقت مني إلا عيوني، ولم أسمع منهم وعظا ولا دعوة ولا تعريضا.
كما أنني ورغم -قلّة نُضجي- لم أتعالَ عليهم، ولم أرَ نفسي من أهل الجنة ولم أنظُر إليهم وكأنهم من أهل الجحيم… كنا بشرا في ذلك الموقف… وكنا نتعامل مع بعضنا بصدق إنساني مُتجرّد من أيّة نوازع وانتماءات.
ذلك الموقف علّمني شيئا لا أنساه:
أن الثبات على العقيدة لا يتناقض مع النبل
وأن احترام الاختلاف لا يعني الذوبان
وأن الإنسانية ليست بديلا عن الدين، بل أحد امتحاناته الصعبة…
أنا مسلمة، وسأبقى كذلك بلا مواربة…
لكنني أيضا ابنة هذا الوطن، وأعرف أن فيه مسلمين ومسيحيين من نسيج واحد، لهم في القلب احترام أصيل، وحق كامل في الأمن والسلامة والعيش الكريم، دون أن يعني هذا أن أُلبس قناعتي ثوبا غير ثوبها، أو أفرّغ ديني من معناه لأرضي أحدا.
التدين الحقيقي لا يحتاج قسوة ولا يحتاج استعراضا، ولا يعيش على إلغاء الآخر.
بل يقف ثابتا… ويترك للرحمة أن تقول ما تعجز عنه الخُطب والشعارات والمُزايدات.
وأعرف كذلك أن أزمتنا ليست في “شجرة الميلاد” ولا في “زينة” المُحتفلين، بل في شيء أعمق:
أننا أحيانا نُقلّد لمجرد التقليد، نُبدّل أذواقنا ومفاهيمنا لأن “العالم يفعل”، ثم نغضب حين نسأل: من نحن؟
وقد قال ابن خلدون، في معنى مشهور: إن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب…”
لا لأن الغالب دوما أفضل، بل لأن نفس الإنسان تُفتن بصورة أهل القوة…
فلا بأس أن نأخذ من العالم أسباب التقدم: العلم، النظام، احترام الوقت، جودة العمل.
أما أن نستورد كل شيء حتى في معنى “الفرح” وطرائق التعبير عنه، ثم نلوم هويتنا لأنها لا تشبه الآخرين… فهذا خلل…
أجمل ما في الهوية أنها لا تمنع الإنسانية…
وأجمل ما في الإنسانية أنها لا تشترط الذوبان…
لهذا، إن سألني أحد عن هذه المناسبة، أقول باختصار:
أنا ثابتة على ديني، ومحافظة على وطني…
لا أُهنئ تهنئة دينية لأن هويتي لا تسمح، لكنني أدعو لكل أبناء بلدي ـ مسلمين ومسيحيين ـ بالأمن والعافية والسلامة ودوام السكينة وراحة البال…
وأتمنى أن تبقى بيوتنا عامرة بالرحمة، وأن يبقى الأردن بيتا واسعا يحفظ الجميع..
هذه ليست ازدواجية، بل نُضج:
أن تعرف حدودك دون أن تتحول إلى سكين
وأن تحترم الناس دون أن تبيع نفسك…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة