من الطين إلى الوعي: رحلة الكلمة من سلاح إلى وَهْم

منذ بدأ الكلام رحلته الأولى على الأرض، يوم نقشت البشرية كلماتها الأولى فوق الطين قبل أن تتعلم نقشها في الوعي، والبشر يحاولون أن يفصلوا بين الصوت والغاية، بين ما يقال وما يقصد، وبين الحقيقة وظلالها…

يوم اكتشف الإنسان أنه قادر على أن ينقل فكرة من قلبه إلى عقل غيره، وُلد الإعلان والإعلام والدعاية في اللحظة نفسها، قبل أن يخترع الأكاديميون هذه الأسماء بآلاف السنين.

فالكتابة المسمارية لم تكن بريئة، والنقوش الهيروغليفية لم تكن محايدة، والتاريخ كله يشهد أن كل رسالة حملت نية، وكل كلمة كانت سلاحا أو وَعدا أو خدعة….!

منذ أن نطق الإنسان نصه الأول، كان يسعى إلى التأثير لا إلى الحياد، ومع ذلك ظل العقل الحديث يبحث عن حدود وهمية بين هذه الأنواع، كأن اللغة يمكن أن تتحول إلى جغرافيا لها أسوار، وكأن المعنى يمكن أن ينفصل عن السلطة التي تحركه…

منذ فجر الاتصال البشري، والبشر يحاولون وضع خطوط فاصلة بين الإعلان والإعلام والدعاية، كأن الوعي البشري كائن يمكن تقسيمه بمشرط لغوي إلى مربعات مُعقّمة…

قال الأكاديميون: الإعلان ترويج مدفوع، والإعلام نقل “موضوعي”، والدعاية وحدها آثمة لأنها تسعى إلى السيطرة على النفوس.

لكن هذا التقسيم، كما قال “بيار بورديو”: يشبه محاولة “تسمية العالم لترويضه”، فيما العالم واللغة يضحكان في الخلف.

فهل حقا، كما يزعمون، أن الإعلام “موضوعي”؟

منذ متى كان السرد الإنساني بلا غاية؟

أليس كل اختيار لخبر هو إقصاء لآخر؟

أليس كل نص يحجب نصا، وكل صورة تبرز ما يُراد لها أن تبرز وتُميت ما يجب أن يظل ميتا في وعي الجمهور؟

الدعاية، كما قال “جاك إيلول”: ليست طارئة على حياة الاتصال، بل تسري فيه كما يسري الملح في البحر….

أما الإعلان الذي يزعمون حياده فليس إلا الوجه “المهذب” لعمليات الإغواء؛

يُغذي في البشر وهم الاختيار فيما يوجّه إرادتهم بدقة متناهية…

والإعلام ليس استثناء، بل ابن عم لهذه الآليات، يرتدي ثوب الحقائق ليخفي أن الحقيقة ذاتها قابلة لإعادة الصياغة والتأويل.

وجعلوا الشر حكرا على الدعاية السوداء

وصوّروا الإعلام كراهب نازل من صومعة الحقيقة

والإعلان كمبشر “حَسن النية” لا يفعل أكثر من تعريف الجمهور بما يحتاجه !

لكن أين تقف الحقيقة في عالم يكتب تاريخه من يملك الميكروفون لا من يملك الشهادة؟

لقد أسقط هذا العصر كل الحدود.

الإعلام يُعلن

والإعلان يدعو

والدعوة تستعير أدوات الدعاية دون أن تعترف بذلك !

حتى الخطاب الديني نفسه صار يتكئ على أدوات صُممت أصلا لتشكيل وعي السوق لا وعي الإنسان؛

ظنا أن هذه الوسائل مُحايدة، لا قلب لها ولا نية، بينما هي في الحقيقة، كما قال “نيل بوستمان”: “تملي شكل الرسالة قبل أن تولد الرسالة نفسها”.

والمفارقة أن هذه الأنواع الثلاثة تستخدم الأدوات ذاتها:

اللقطة المختارة،

العنوان الموجّه،

القصة المكثفة،

التكرار،

وصناعة الخوف أو الأمل أو الضغط العاطفي….

كلها بنية واحدة هدفها صناعة استجابة، لا صناعة فهم…

فالخبر الذي يسمونه “مُحايدا” هو محايد بقدر ما تكون القذيفة محايدة:

تصيب المكان الذي تقرره اليد الخفية التي وجّهتها.

والمتلقي، وهو يظن نفسه حرا، يسير فوق سكة صُنعت له مسبقا، ويؤمن أنه يختار الطريق بقدميه.

ولعل أخطر ما في المشهد ليس الفاعلين، بل المؤمنين بهذه السذاجة النظرية؛

الذين يظنون أن الوسيلة بلا غاية، وأن الحياد حقيقة،

وأن الجماهير لا تُقاد إلا حين تريد هي أن تُقاد.

فالوعي، في نهاية الأمر، ليس ما نراه، بل ما يُراد لنا أن نراه.

والقصة ليست الخبر، بل ترتيب الأخبار…

والحياد ليس الحقيقة، بل القناع الذي ترتديه الحقيقة حين يُراد لها أن تمر بلا مقاومة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

النصيحة

حين أنصحك، لا تفترض أنني أقف على قمة لم تبلغها، ولا تتخيلني نموذجا كاملا جئت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *