في مشهد إقليمي يزداد اضطرابا، تترنّح الاستراتيجية الإيرانية في سوريا بين واقع عسكري مأزوم وتبدلات دبلوماسية غير مواتية، بينما يزداد وضوح التناقض بين خطاب “المقاومة” وممارسات العبث بالداخل السوري.
تتقاطع هذه التحولات مع ما تسرّب من لقاءات مفترضة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، ومع استمرار الضربات الإسرائيلية التي لم تعد تستهدف مواقع تكتيكية فحسب، بل رمزية الحضور الإيراني ذاته في الجغرافيا السورية.
وفي هذا السياق، رصدت وسائل إعلام إيرانية، منها وكالة “تسنيم” و”مهر” شبه الرسمية، إشارات نقدية حذرة إزاء أنباء عن لقاءات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، لمناقشة ترتيبات تخص المنطقة العازلة التي كانت قائمة زمن حافظ الأسد.
ولأن تلك الوسائل تعكس في العادة توجهات النظام الإيراني، فإن مثل هذه التغطية تكشف عن قلق إيراني متزايد من انزلاق حليفها السوري نحو ممرات تفاوضية خارج عباءة “محور المقاومة”.
بموازاة ذلك، استغل الإعلام الإيراني الضربات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي السورية لتوجيه انتقادات شديدة إلى إسرائيل، متهما مجلس الأمن الدولي بالصمت المريب والتواطؤ، ما “يشجع”، بحسب الرواية الإيرانية، على مواصلة العدوان الإسرائيلي ضد دول المنطقة.
لكن التصعيد الإعلامي لا يخفي التخبط السياسي…
فقد خرج الصحفي الإيراني المقرّب من دوائر صنع القرار، “شمس الواعظين”، بتصريح لافت، اعتبر فيه أن استمرار الهجمات الإسرائيلية على سوريا قد يقود إلى سقوط نظام بشار الأسد، مشيرا إلى احتمال اضطرار طهران لنقل المواجهة إلى الداخل الإيراني إذا ما فقدت موطئ قدمها السوري.
هذا التصريح يكشف، على نحو غير مباشر، عمق الرهان الإيراني على سوريا كجبهة متقدمة في مشروع “العمق الاستراتيجي” الذي أرساه المرشد علي خامنئي، والذي يقوم على مبدأ خوض المعارك خارج الحدود الإيرانية، بأدوات غير إيرانية.
الفوضى الإيرانية في الداخل السوري :
رغم ادعاء إيران دعم استقرار سوريا، إلا أن الواقع الميداني يكشف عكس ذلك…
فلا تزال طهران تغذي الاضطراب الداخلي السوري، عبر ميليشيات تابعة لها تعمل تحت غطاءات مختلفة، مثل خلايا لحزب الله اللبناني وأخرى ذات طابع محلي لكنها مرتبطة استخباريًا بالحرس الثوري.
ففي مطلع يوليو 2025، أعلنت أجهزة الأمن السورية اعتقال “محمود فاضل”، الذي أقرّ بعلاقته بخلية تابعة لحزب الله تنشط في محافظة حمص، وكان بحوزته متفجرات مهربة من لبنان. ورغم نفي الحزب، فإن هذا النفي فقد مصداقيته، لا سيما في ظل تكرار اعتقالات مشابهة لعناصر مرتبطة بالحزب في الأسابيع الأخيرة.
بالتوازي، أعلنت إسرائيل في 1 يوليو 2025 أنها اعتقلت خلية تعمل لصالح “فيلق القدس” وحزب الله في مناطق قريبة من خط الفصل بين الجولان السوري المحتل والمناطق السورية المحررة، في مؤشر على تنامي النشاط السري الإيراني في تلك المنطقة الحساسة.
===
“جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا – أولي البأس”: الوجه الشعبي للمشروع الإيراني؟
برز مؤخرا اسم “جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا – أولي البأس”، وهي جماعة مسلحة تدّعي أنها منبثقة من الشعب السوري الحر، وتناوئ الاحتلال الإسرائيلي.
وقد ظهرت أولى بياناتها على تطبيق “تلغرام” في 9 يناير/كانون الثاني 2025، تحت اسم “جبهة تحرير الجنوب”، قبل أن تغيّر اسمها في 11 يناير إلى “جبهة المقاومة الإسلامية – أولي البأس” بحجة تشابه الأسماء مع فصائل أخرى.
الخطاب الظاهري والمضمون الحقيقي:
رغم محاولتها تصدير نفسها كجماعة مستقلة، فإن الجبهة تتبنى خطابًا إسلاميًا مشبعًا بالمصطلحات التي يستخدمها حزب الله وكتائب القسام.
ففي بيان صدر في 18 فبراير/شباط 2025، أعلنت الجبهة عن إطلاق عمليات تحت مسمى “وعد الآخرة”، وهي تسمية مألوفة في إعلام حزب الله وحماس.
كما تبنّت خطابًا سياسيًا يدين “الاحتلال الأمريكي والتركي والصهيوني”، دون أن تطرح أي أجندة وطنية سورية مستقلة.
وفي 21 يناير 2025، أعلنت الجبهة عن أول عملية عسكرية لها، عبر إسقاط طائرة مسيرة إسرائيلية في “التلال الحمر” بريف القنيطرة، لكنها لم تقدم أي أدلة مرئية. تكرر هذا النمط في عدة بيانات لاحقة، لكن المتابعة الميدانية تُظهر أن الاشتباكات كانت في معظمها من تنفيذ سكان محليين غير منضوين في أي فصيل.
مؤتمر دمشقي وتوسعة تنظيمية:
في مايو 2025، أعلنت الجبهة عن عقد مؤتمر استثنائي في دمشق، حضره ممثلون عن فصائل مسلحة سابقة منها: “درع الساحل”، و”سرايا العرين”، وعدد من المجموعات الشعبية.
وأسفر المؤتمر عن تعيين “أبو جهاد رضا” (الاسم الحركي لـ رضا حسين) قائدًا عامًا للجبهة، وهو بحسب تحقيقات إعلامية (قناة الميادين وموقع العهد) ضابط سابق في الجيش السوري، تعاون سابقًا مع تنظيمات فلسطينية ولبنانية، قبل أن ينفصل عنها عام 2021.
وشملت القيادة الجديدة أسماء أخرى مثل: محمود موالدة (الشؤون السياسية)، وبتول بدر (دائرة المرأة)، وعباس الأحمد (الإعلام المركزي)، وجبران سالم (الاقتصاد)، وملاك الظاهر (المغتربون)، وعلي الأشقر (التنظيم). لكن أغلب هذه الأسماء لا توجد لها أي سوابق معلنة أو صور أو مراجع، ما يرجح أنها حركية وليست حقيقية.
تحولات في درعا وتكتيكات جديدة
في 7 يوليو 2025، أعلنت الجبهة مقتل نائب قائدها “محمد بدران” خلال اشتباك مع قوات إسرائيلية في مدينة نوى بمحافظة درعا، وتلاه في 17 يوليو مقتل “شادي الناصر” في غارة إسرائيلية على موقع تابع للجبهة في ريف درعا.
هذه العمليات تُظهر محاولة خلق جبهة نشطة في الجنوب السوري، واستثمار ذلك في تعزيز سردية “المقاومة” المتكئة على الدعم الإيراني غير المعلن.
نستطيع أن نقول : إن طهران تُحارب بأقنعة كثيرة… وتخسر بوهم السيطرة ..
تسعى إيران إلى ترسيخ نفوذها في سوريا عبر أدوات غير نظامية، تتخفى أحيانا خلف جماعات مسلحة تتبنى شعارات “المقاومة” لكنها تتقاطع في الجوهر مع مشروع “ولاية الفقيه”.
لكن تسارع الضربات الإسرائيلية، والتسريبات عن تواصل سوري-إسرائيلي، ومحدودية الغطاء الروسي، تكشف تدريجيًا ضَعف أوراق طهران، وبدء ارتباكها الاستراتيجي في الشام، الذي كان دومًا جبهة متقدمة ضمن مشروعها الإمبراطوري في المنطقة.
===
مراجع ومصادر :
وكالة مهر الإيرانية (www.mehrnews.com)
وكالة تسنيم الإيرانية (www.tasnimnews.com)
تقارير قناة “الميادين” اللبنانية الموالية لحزب الله
مركز الأبحاث “The Washington Institute” حول التمدد الإيراني في سوريا
تقارير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS
تغطيات إعلامية لتقارير الجبهة عبر قنوات “تلغرام” المؤرشفة مثل:
[Jihad Analytics] و[Syrian Observatory for Human Rights]
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة