الرئيسية / مقالات / الدعوة للتفاؤل بالتغيير ليست متاجرة بالأوهام

الدعوة للتفاؤل بالتغيير ليست متاجرة بالأوهام

“تم اليوم، بحمد الله، مناقشة مشروع تخرج ابنتي سجى من قسم الهندسة المعمارية في جامعة القدس، وكان مشروع التخرج بعنوان (إعادة تدوير حاجز قلنديا بعد التحرير)، الذي يهدف إلى معالجة العمارة الاستعمارية المتروكة بعد التحرير، وإعادة توجيه هذه العمارة لتحوي وظائف ثقافية مجتمعية، تسرد في مضامينها التاريخ الأسود الذي مضى.” قطعا لست أنا صاحبة المقطع السابق، لكنه أحد أساتذة جامعة القدس يبتهج على حسابه الشخصي بابنته صاحبة مشروع التخرج.
عندما قرأت هذا الخبر اهتز كياني، فالفتاة تناقش مشروعا للتخرج يتعلق بإعادة تدوير حاجز قلنديا العسكري – الذي أقامه الصهاينة بعد الانتفاضة الثانية ليفصل الضفة الغربية عن القدس – في فترة ما بعد التحرير، التي لا يعلم توقيتها إلا الله، تخيلوا معي، ليست أمنية أطلقتها الفتاة في الفضاء، إنها مشروع دراسي للتخرج يتعلق بالتحرير المنتظر، قتلتني هذه الروح المفعمة بالتفاؤل، هي تثق بأن مصير الاحتلال إلى زوال، وأن الأرض ستعود إلى أهلها من جديد، طال الأمد أم قصر، حتما سيرجع الحق إلى أصحابه، فالظلم لا يدوم.
تلك هي الروح التي نفتقدها في ظل الأحوال المتردية، التي تطمر بصيص الأمل عن الأعين، روح التفاؤل بالتغيير، تلك الروح التي ألهمنا إياها القرآن الكريم، يوم أن كان المسلمون قلة مُطارَدة مُلاحقَه أضناهم الكيد، فوقفوا يتابعون صراع أعتى قوتين على الأرض، فنزل القرآن بالبشارة بأن الروم، الذين هم أقرب الطائفتين للمسلمين، سوف يقهرون الفرس المجوس، هنالك استبشروا خيرا وتفاؤلوا بنصر الله الموعود لأهل الإيمان. ذلك التفكير التفاؤلي الذي جعل سلطان الشام نور الدين محمود زنكي، يبني منبرا يوم أن كان القدس أسيرا في غمرة ضعف الأمة، فعندما يُسأل عنه، يخبر السائلين أنه يصنعه ليخطب عليه في الأقصى بعد التحرير، وربما كانت هذه الروح هي التي جهّزت تلميذه صلاح الدين الأيوبي ليقود معركة التغيير والتحرير، وعلى الرغم من أن المنية قد وافت نور الدين قبل أن يحقق حلمه، إلا أن صلاح الدين حمل المنبر بعد تحرير القدس، ووضعه في الأقصى تنفيذا لرغبة أستاذه. ربما الحديث عن التفاؤل يثير تهكّم البعض، ممن يعدّون هذا النمط ضربا من الخطاب العاطفي، أو يعتبرونه بيعا للأوهام، وتكريسا للتقاعد وانتظار ما تسفر عنه عجلة الزمان الدائرة.
والحق أن التفاؤل شكل من أشكال التفكير الإيجابي، الذي تناوله بشكل قوي رواد علم النفس الإيجابي، وهناك العديد من الدراسات العلمية أثبتت أن أسلوب التفكير الإيجابي يسهم في التفسير المتفائل، الذي بدوره يقود إلى التغلب على الأزمات، معززا الثقة والقدرة على التعويض، كما يصل بالمرء إلى حسن إدارته لذاته وتوجيهها، بخلاف التفكير السلبي الذي يصل به إلى الاستسلام والانهزامية، ويفتح المجال أمام ترسيخ العجز لدى الفرد، شرط ألا يكون هذا التفاؤل مبنيا على اللاوقعية أو مشوبا بالعجز والقعود وترك البذل. من هنا نرى صوابية المقولة الشائعة “غيّر أفكارك، تغيّر حياتك”، حيث إن منظومة الأفكار تتحكم في الحياة بشقيها: المشاعر والسلوك، ومن هنا كانت عبارة ستيفن كوفي الكاتب الأمريكي، الشهيرة: “تزرع فكرة تحصد عملا، وتزرع عملا تحصد عادة، وتزرع عادة تحصد شخصية، وتزرع شخصية تحصد مصيرا”. الدكتور مارتن سليجمان، مؤسس علم النفس الإيجابي، قدّم في كتابه “التفاؤل المكتسب”، خلاصة تجارب وأبحاث دامت لأكثر من خمسة وثلاثين عاما، في طريقة تفكير الناس في حياتهم، تبرز وجود نمطين من أنماط التفكير، التفكير المتشائم الذي تسيطر على أصحابه فكرة توقع الأسوأ، والميل إلى النظرة السلبية في تفسير الأحداث، ويعتقدون غالبا أن الأمور لا يمكن أن تتغير نحو الأفضل.

أما أصحاب النمط المتفائل، فيميلون إلى توقع الأفضل، ولهم نظرة إيجابية في تفسير الأحداث، ولديهم القدرة على فهم الأوضاع الحالية، والعمل على تغييرها لصالحهم، وهذا النمط ليس نوعا من السذاجة والإغراق في الأحلام الوردية، ولكنه منظور عام لتفسير الأحداث والحياة بصفة عامة بشكل إيجابي يحفز الإنسان للعمل الجاد البنّاء. الذين يفقدون الأمل في التغيير ولا يرون للحياة فرجة، تسيطر عليهم فكرة أسطورة سيزيف، الذي عوقب في تلك القصة العبثية بأن يحمل صخرة ثقيلة ليصعد بها قمة الجبل، فإذا وصل إليها تدحرجت إلى الوادي، فيعاود رفعها لقمة الجبل فتتدحرج، ويعيد الكرة بعد الكرة، فأصبح رمزًا للعذاب الأبدي.
إن التغيير أمرٌ حتمي، والأيام بين الناس دول، وسواء كان التفاؤل مبنيا على نبوءات دينية، أو استقراء للسنن الكونية والتجارب التاريخية، فإننا بحاجة إليه، ليس على وجه التمني، ولكنها رؤية واقعية وأمل محفز يدفع الجماهير لتحقيق حلم التغيير. وحتى على صعيد الأفراد، فالتفاؤل يصقل شخصياتهم ويعيد ترتيب أوراقهم، وقد أجرى مارتن سليجمان بحثا عن مستويات التفاؤل لدى وكلاء شركة متروبوليتان للتأمين على الحياة عام 1985، في الوقت الذي كانت الشركة تعاني ضعف معدلات الاحتفاظ بالموظفين، على الرغم من إغداق الشركة على الإنفاق لتدريبهم، فقدم سيلجمان اختبارا للتفاؤل في عملية الفحص، يضاف إلى اختبار الكفاءة في المبيعات الذي كان تقدمه الشركة إلى المتقدمين الجدد. بعد عامين من الاختبار، تبين أن الموظفين المتفائلين حققوا مبيعات بنسبة 31% أكثر من المتشائمين، بل إن المرشحين الذين أخفقوا في اختبارات الكفاءة وتميزوا في اختبار التفاؤل، حققوا في السنة الثانية نتائج أفضل بنسبة 57% من المتشائمين، ما يؤكد على أن التفاؤل يلعب دورا مهما في تحقيق الإنجازات الفردية.
تفاءلوا فرادى ومجتمعات، فالتغيير لا ريب مقبل، مهما بدت الصورة الراهنة قاتمة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تركيا واستثمار الماضي

يقول ابن خلدون في تاريخه: «فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ …

3 تعليق واحد

  1. اسلوب سلس و بيعت على الامل و التفاؤل . تشكرين

  2. لله درك ودر أبيك

    جُزِيت خيراً أستاذتنا..

    لا عدمناك..

  3. ما شاء الله ، سيؤتينا الله من فضله
    { وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُوا۟ مَاۤ ءَاتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُوا۟ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَیُؤۡتِینَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥۤ إِنَّاۤ إِلَى ٱللَّهِ رَ ٰ⁠غِبُونَ }
    [سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ٥٩]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *