الرئيسية / مقالات / حين تتصالح الحداثة مع الخرافة

حين تتصالح الحداثة مع الخرافة

بينما كانت الحكومات العربية تُحصي خسائرها عقب عام النكسة في الخامس من حزيران/يونيو سنة 1967، كانت النخبة الحداثية العربية على موعد مع مراجعة أفكارها وإعادة ترتيب أوراقها، بعد أن ظهر قصور العقل الحداثي العربي، ولاح في الأفق عدم تحقق نبوءاته ووعوده في انتشال الأمة من براثن التخلف والانحطاط، في الوقت الذي مالت الأمة إلى أحضان الدين أملا في بعثٍ جديد.
لقد عانى الحداثيون العرب من الغربة داخل أوطانهم، نظرا لأن بضاعتهم التي يرومون رواجها تصطدم مع الثقافة المتجذرة في وجدان الأمة ومنظومة التصورات والاعتقادات الراسخة في نفوس الجماهير، فقد بنوا خطابهم على الاجتثاث، بمعنى استبدال منهج بمنهج، فكان منهجا علمانيا صداميا، لم ينهض لمواجهة المد الإسلامي المتصاعد.
وبعد فشل العلمانيين التقليديين في إحلال منهجهم، شرع الحداثيون في التأسيس لخطاب يزيل وحشة الاغتراب، فركزوا في مشروعهم الجديد على العمل من خلال التراث الإسلامي لا من خارجه، واستخدام أدوات التراثيين نفسها، وتوجيهها إلى صدورهم، حيث إن ذلك أدعى للقبول لدى عامة الجماهير، إذ ستكون الصبغة الدينية حاضرة، وفي الوقت نفسه عصية على التمييز والتنقيح لدى قطاعات غير المتخصصين، ما يسهل للحداثيين الدخول عبر هذه البوابة لتغيير معالم التراث وفق منهجهم الحداثي.
الفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري، الذي يعد أحد رموز الحداثيين العرب، يصرح في أحد الحوارات التي أُجريت معه، بأن التجديد لا يتم إلا من داخل تراثنا باستدعائه واسترجاعه استرجاعا معاصرا لنا، وفي الوقت ذاته بالحفاظ له على معاصرته لنفسه ولتاريخيته، حتى نتمكن من تجاوزه مع الاحتفاظ به، وهذا هو التجاوز العلمي الجدلي.

ذن، فالتجديد لدى الحداثيين العرب يكون بتفريغ التراث من محتواه، بما يناسب منهجهم الحداثي، والإبقاء فقط على الصورة الهيكلية للتراث، أو الاكتفاء بأرشفته أو الاحتفاظ به كتابلوه. وكانت إحدى أبرز السبل التي اتخذها الحداثيون العرب لتحقيق ذلك، استدعاء مدارس ومناهج ورموز وشخصيات فكرية، تعرضت للقمع الفكري أو السياسي، ولفظتها المجتمعات في أزمنة سابقة، ذات شطحات هجينة وناشزة عن التراكم الفكري الإسلامي. وقد رأى الحداثيون في إحياء هذه المدارس والشخصيات فرصة لضرب الخطاب الديني السني من الداخل وزعزعة أتباعه وبث الشكوك في أوساطهم.
لقد نظر الحداثيون العرب إلى أن سبب تلاشي قوة تلك المذاهب والرموز الفكرية، يكمن في رفض السلطة الزمنية لها، ولفظ المجتمعات لها. ورأوا أن الواقع تغير فهذه الأفكار لن تجد حكومات تُحاربها، على العكس من ذلك، ستجدُ مساحة كبيرة من التأييد والحرية، ما يُعزز فرصة انتشارها.
ويصرح أدونيس وهو أحد رموز الحداثة، في كتابه «صدمة الحداثة» بأن الحداثيين العرب وجدوا أصولا فكرية في التصورات الاعتزالية والعقلانية والإلحادية والتصوفية الفلسفية. وما يثير العجب في هذا المسلك الحداثي، أنهم يستدعون في منظومتهم الحداثية رموزا لها ارتباط وثيق بالميثولوجيا والخرافة، وهو ما يقدح في تلك المنظومة الديكارتية القائمة على العقلانية والتجريب، لكن الغرض واضح وهو التكريس لشطحات تلك الشخصيات لا نقضها ودحضها، لأنها تمثل ثورة على الفكر الإسلامي الذي ساد الأمة على مدى قرون، وبعثها من جديد يخلق حالة من البلبلة الفكرية والإغراق في الجدل، الذي يسفر في النهاية عن رأي ورأي مضاد تجاه الثوابت والمسلمات. ومن الشخصيات المثيرة للجدل التي ابتعث الحداثيون إنتاجها الفكري، شخصية محيي الدين بن عربي الفيلسوف المتصوف الشهير، الذي انقسم الناس حوله ما بين مؤيد ومناوئ، لكن الذي لا خلاف عليه أن له شطحات غير خافية ـ وإن تأولها مريدوه ـ إضافة إلى ارتباطه بالخرافات التي تصطدم بالمنهج الحداثي، فمن ذلك ما زعمه في كتاب «الفتوحات المكية» من أنه قابل الخضر العبد الصالح المذكور في قصة موسى في سورة الكهف، وأنه تزوج من امرأة من الجن ورزق منها بثلاثة من الولد، وادعاؤه بأن النبي، صلى الله عليه وسلم، هو من أملى عليه كتاب «فصوص الحكم»، وأنه لا يكتب إلا عن إملاء إلهي، وأنه صعد إلى السماء، ونحو ذلك مما يتعارض كلية مع منهج الحداثيين، فلم يتم استدعاؤه في هذه المنظومة؟ ولم يروجون له باعتباره يمثل قمة نضج الفكر الإسلامي؟
يقول الكاتب والمفكر الليبرالي الراحل نصر حامد أبو زيد: «إن استدعاء ابن عربي يمثل طلباً ملحاً بسبب سيطرة بعض الاتجاهات والرؤى السلفية على مجمل الخطاب الإسلامي في السنوات الثلاثين الأخيرة»، فتلك هي القضية وذلك هو بيت القصيد، تلاقت الحداثة مع الخرافة لغرض إخلاء الساحة من كل من يخوض معركة التراث مع أدعياء تجديده، حتى إن خالف تصالحهم هذا مع الخرافة كل ما يؤمنون به من قيم الحداثة.
وحتى نعلم مقدار تلاقي الحداثيين العرب مع التوجهات الغربية، بشأن إحياء المدارس والشخصيات الفكرية المثيرة للجدل، الشاذة عن التصور الإسلامي السائد في الأمة، فإنه يجدر القول بأن دار «هردر» الألمانية، كلفت الدكتور الراحل نصر أبو زيد بتأليف كتاب عن ابن عربي ضمن سلسلة عن أعلام الروحانيات في الشرق والغرب، وهو ما يؤكد التزاوج بين الاتجاه الحداثي، وتلك الشخصيات المثيرة للجدل، إضافة إلى أن ابن عربي من أكثر الشخصيات شهرة في العالم الغربي، وأكثرها تناولا بالبحث والدراسة وطباعة الكتب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حتى إن المفكر والعالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري قال: «ومما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية. ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي». فلا بأس لدى الحداثيين العرب، من استدعاء أي منظومات أو رموز فكرية مهما تلبست بنواقض الحداثة، طالما أن ذلك الاستدعاء سيصب في صالح مواجهة التراث، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تركيا واستثمار الماضي

يقول ابن خلدون في تاريخه: «فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ …

2 تعليق واحد

  1. أحمد حمدي / ألمانيا

    أحسنت يا إحسان.
    حينما نتحدث عن من يُسمَّون بالحداثيين فلنا أن نفرق بين نوعين منهم. النوع الأول هو من غير المسلمين، ولا عجب فللإسلام أعداء معروفون منذ يومه الأول وهم لا يتوانون لحظة في الهجوم عليه، ولا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا وفعلوها لكي ينالوا من الدين الحنيف. وأعُد المنافقين من هؤلاء. فالمنافق الذي يقول بأنه مسلم وهو على غير الإسلام هو العدو الخفي من غير المسلمين للنيل من الدين. هم يدّعون الإسلام علنا لكي يصغي إليهم المسلمون، ثم هم يعلنون كفرهم بكل ما هو مسلم إذا كانوا بين حلفائهم المنافقين، فكانوا كمن قال القرآن فيهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ – البقرة 14). قبل أيام هلك أحدهم وكان ذو شهرة أصبغه إياها إعلامٌ لم يعد بإعلام.
    وأما النوع الثاني هم من المسلمين الغافلين الذين انبهروا بكل ما هو آت من الغرب ولم يمحِّصوا هذا الذي بهرهم أهو حق ﻷنهم غير مسلمين؟ أم لأنهم اقتبسوا من الإسلام ما ينفع دنياهم فإذا هم متقدمون؟ مثال بسيط: الكل سواسية أمام القانون.
    في رأيي الشخصي أن هذا الأمر من أهم أسباب السِّلم الاجتماعي المفقود في بلاد الإسلام في الديمقراطيات الغربية. لكن هل هذا هو الحال في بلاد الإسلام؟ أما والعدل أساس الملك، وأنْ لا قامة لدولة إلا بالعدل، فلا تسأل من لا عدل عنده عن أسباب التخلف.

    أما المشترك بين هؤلاء وهؤلاء أن هذه ليست أفكارهم هم ولكنها أفكار مستوردة، فقد نشرت جريدة الأهرام المصرية في مايو 2012 مقالا للراحل د. محمد عمارة بعنوان: “الاستغلال الأمريكي للحداثيين العرب” جاء فيه أن الخطة أمريكية بامتياز. ففي تقرير أعدته مؤسسة “راند” الأمريكية سنة 2004 بعنوان: “خطة أمريكية لإعادة بناء الدين الإسلامي” نصحت المؤسسة فيه بتقسيم تيارات الفكر في العالم الإسلامي إلى أربعة تيارات هي:
    1 ـ تيار الأصوليين: الذين يرفضون قيم الثقافة الغربية.
    2 ـ تيار التقليديين: الذين يريدون مجتمعا محافظا، وهم في ريبة من الحداثة والتغيير.
    3 ـ تيار العلمانيين: الذين يريدون أن يقبل العالم الإسلامي الفصل بين الدين والدولة.
    4 ـ تيار الحداثيين: الذين يريدون العالم الإسلامي جزءا من الحداثة الغربية، ويريدون تحديث الإسلام ليواكب العصر.

    ثم قال د. عمارة: (ثم تطلب هذه الخطة من صانع القرار الأمريكي: «دعم الحداثيين العرب، لأنهم الأكثر إخلاصا في تبنى قيم وروح المجتمع الغربي الحديث. ولأنهم ـ مع العلمانيين العرب ـ الأقرب إلى الغرب في ضوء القيم والسياسات». ومن بين ميادين الدعم الأمريكي المقترح لهؤلاء الحداثيين العرب: «تشجيع تأويلهم للنص القرآني الحرفي الذي نعتبره (أي يعتبره الأمريكان) ـ تاريخا وأسطورة!». أما آليات الدعم الأمريكي لهؤلاء الحداثيين العرب، كما أشارت إليها هذه الخطة الأمريكية، فهي:
    أ ـ نشر وتوزيع أعمالهم ـ في شرح وطرح الإسلام ـ بتكلفة مدعمة.
    ب ـ تشجيعهم على الكتابة للجماهير والشباب.
    ج ـ تقديم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية.
    د ـ إعطاؤهم منصات شعبية للتواصل مع الجماهير.
    هـ ـ جعل آرائهم وأحكامهم في القضايا الكبيرة للتأويل والفهم الديني متاحة للجمهور حتى يمكن أن تنافس آراء وأحكام الأصوليين والتقليديين.
    و ـ تيسير وتشجيع الوعى بالتاريخ السابق على الإسلام، والثقافة اللا إسلامية.
    ز ـ تشجيع تأويلهم للنص الديني الحرفي الذي نعتبره تاريخا وأسطورة.)

    ليس عندي أكثر مما ذُكر لكي ينتبه من يلهث وراء هؤلاء بآرائهم الشاذّة من إمَّعَات العرب ظنا منهم أن الدين هو أساس التخلف. الحق أن البعد عن الدين هو أساس التخلف، وأن قوانين الله في الكون ليس لها علاقة بكون المستفيد منها ذو دين أو ملحد. وأن الذي يسعى يحصد وأن الذي يَجِتهِد يَجِدْ وأن الذي يبحث يكتشف وأن التطور دون سعي ودون جهد ودون بحث لا يكون، وأن السعي والجهد والبحث لا يثمر في الأنظمة المتسلطة على شعوبها لصالح أعدائها.
    والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

    أحمد حمدي / ألمانيا
    مولهايم في 12 رجب 1443
    14 فبراير 2022

  2. يقول د.عبد الوهاب المسيري : “ومما له دلالته أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشاراً الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي وأشعار جلال الدين الرومي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *