الرئيسية / مقالات / تصريحات محمد صلاح عن الخمور بين المعارضين والمؤيدين

تصريحات محمد صلاح عن الخمور بين المعارضين والمؤيدين

يقال إن كرة القدم عُرفت قديما في الصين منذ حوالي 2500 سنة قبل الميلاد، وإنها نزلت ضمن التدريب العسكري في عام 500 قبل الميلاد، وذلك قبل أن يمارسها الإغريق والرومان.

وبصرف النظر عن صحة هذا القول، إلا إنه في كل الأحوال، لم يدرك الناس في أرض نشأتها حينئذٍ، أنها لن تكون في المستقبل مجرد جسم كروي تركله الأقدام للترفيه واللهو، بل سيطلق عليها ذلك اللقب المستحق عن جدارة «الساحرة المستديرة» تحرك القلوب متى تحركت، تُضحك أقواما وتُبكي آخرين، توحد الناس أحيانا وتفرقهم أحيانا أخرى، يصبح ارتياد مجالها منتهى أمل الناشئة والشباب، تغدو قوة ناعمة يُتوصل بها إلى غزو وجدان الشعوب، ومجالا حيويا للاقتصاد والأعمال. فلا عجب أن يمثل اللاعب شعباً بأسره، بل أمة بأكملها خارج البلاد، وإذا ما تفوه بكلمة تناولتها الجماهير المحلية والإقليمية والدولية بالتحليل والتفسير، وكلٌ يدعي وصلا به، وإن لم يقر لهم بذاكَ.

اللاعب محمد صلاح الذي حصد لقب «فخر العرب» أصبح رمزاً بارزاً ليس فقط للمصريين، بل وللعرب والأمة الإسلامية، ويكفي أن مدينة ليفربول يسميها بعض الأوروبيين بمدينة محمد صلاح، وأصبح نادي ليفربول هو الأشهر والأكثر شعبية لدى الجماهير العربية والإسلامية، بسبب هذا اللاعب. ولأنه أيقونه لدى جماهير الأمة، فقد احتل تصريحه الأخير في لقائه مع الإعلامي عمرو أديب، مساحة شاسعة من اهتمامهم.

عندما سئل صلاح عن التعامل مع شرب الخمور الذي يعد شيئا عاديا في المجتمع الإنكليزي، الذي يعيش فيه، وعن سبب عدم تجاوبه مع المحيطين به في تناولها، أجاب بأنه لا يحبها ولا تذهب نفسه إليها، ولا يراها شيئا مهما أو مفيداً. انقسمت الجماهير في تلقيها هذه الإجابة، كل بحسب اتجاهاته وأيضا بحسب نظرته إلى اللاعب محمد صلاح. قسم كبير من جمهور صلاح استاؤوا، واعتبروا تصريحه مائعا متميعا، إذ أنهم كانوا يأملون أن يجيب اللاعب إجابة صارمة حاسمة، فيؤكد أن امتناعه عن تناول الخمور يأتي انطلاقا من تعاليم دينه الرافض لها، ورغبتهم هذه حق لهم بلا شك، وتعبّر عن اعتزازهم بشريعتهم ورغبتهم في الانتصار لها في كل محفل.

هؤلاء كانت رؤيتهم للمسألة قاصرة، وبيان ذلك أنهم اعتبروا محمد صلاح امتدادا للاعب المصري السابق محمد أبو تريكة، الذي عرف بتدينه ومواقفه التي يدافع فيها عن تعاليم الإسلام وقضايا الأمة الإسلامية.
تأسيسا على نظرتهم للعلاقة المتينة بينهما، والتي أثّرت برأيهم في سمت صلاح وسلوكه تجاه التدين، افترضوا أن يحذو محمد صلاح حذو محمد أبو تريكة، وعقدوا مقارنة بين اللاعبين، وخلصوا إلى أن أبو تريكة لو كان في مكانه هذا لأجاب قطعا بالإجابة المرضية، وهذه حتمية أُسّست على بنيان واهٍ افتراضي. محمد صلاح لم يطرح نفسه يوما على أنه صاحب قضية، أو أنه من الشخصيات التي تدلي بدلوها في قضايا الأمة، أو تأخذ على عاتقها مهمة الدعوة الإسلامية، من خلال مجاله الرياضي، ومن ثم يتحاور ويتحدث كرياضي، ويتحدث عن مأكله ومشربه وهواياته، انطلاقا من خلفيته الرياضية ونظرته للصحة العامة، إضافة إلى ذلك، لم يكن السؤال الموجه إلى اللاعب يتعلق بالحكم الشرعي لتناول الخمور، وإنما أتى في سياق الحديث عن مدى تكيّف اللاعب مع المجتمع الغربي، الذي يعيش فيه، وربما آثر الشاب ألا يتطرق لمسألة الحلال والحرام، حتى لا يتم تصنيفه فيفقد شيئا من شعبيته هناك، ورأى أن يجيب بهذه الإجابة الدبلوماسية طالما أن السؤال لا يتعلق بالتشريع. فالحاصل أن صدمة هؤلاء جاءت بسبب وضعهم اللاعب محمد صلاح في مقارنة مع اللاعب السابق محمد أبو تريكة، واعتبار الأول مكملا لمسيرة الثاني.

التيار العلماني كان له رأي آخر، واستقبال مغاير، حيث صفق هؤلاء لإجابة محمد صلاح، واعتبروها ضربة للإسلاميين، ونأياً من اللاعب عن المسحة الإسلامية، وانتصارا للحداثة والتحضّر، وابتهجوا لأن رمزاً بحجم محمد صلاح، على شعبيته الجارفة، وافق مذهبهم ومشربهم، هكذا ظنوا.

هؤلاء قد أفرطوا في تفاؤلهم، وألزموا بما لا يلزم، وتجاهلوا واقع اللاعب الذي تظهر سلوكياته مدى حبه للتدين، فكم من مرة ظهر فيها صلاح وهو يمسك بمصحفه يتلو القرآن، ومن يتابع أخباره سيدرك أنه لا يفوت صيام رمضان، حتى وهو يؤدي المباريات، والجميع يعلم أن زوجته محتشمة تغطي رأسها ولا تظهر سوى وجهها وكفيها، وسيرته في أعمال الخير غنية عن البيان، وقطعاً كلها أمور تؤكد أنه يمتنع عن شرب الخمور ومجاملة أصدقائه في تناولها تدينا، بصرف النظر عما تضمنه تصريحه.

إذن نظرتتنا المعتدلة للاعب محمد صلاح تتمثل في أنه لاعب خلوق محافظ على قدر من التدين، يعبر عن نفسه، لا يعبر عن شخصيات أو كيانات، ولا انتماءات، له طموح، همه ينصرف إلى تطوير نفسه، ولا يطرح نفسه كداعية إسلامي.

أحببت أن أضع النقاط على الحروف في تلك القضية، ليس دفاعا عن محمد صلاح أو انتقاده، وإنما للفت الانتباه إلى ضرورة تحليل الأحداث وفق نظرة موضوعية واقعية بعيدا عن الانسياق وراء العاطفة والهوى وميل النفس، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تركيا واستثمار الماضي

يقول ابن خلدون في تاريخه: «فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ …

تعليق واحد

  1. كما عهدناكم دائما وأبدا أستاذة إحسان النظرة الوسطية للأحداث والتحليل الرائع

    منكم دائما نستفيد……..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *