الرئيسية / مقالات / هل كان الفتح الإسلامي لمصر احتلالا؟

هل كان الفتح الإسلامي لمصر احتلالا؟

تسعون مربعا من مربعات الطول والعرض في المنطقة المعتدلة، ثروات متنوعة، نهر يجري بالخير، وموقع استراتيجي بالغ الأهمية، مقومات أسالت لعاب الغازين لاحتلال مصر، من الهكسوس، والآشوريين، وأكثر من حملة شنها الفرس، وأخرى للإسكندر المقدوني، والرومان، وغيرهم.

غير أن البعض يلحق الفتح الإسلامي لمصر بهذا النمط ويعتبره احتلالا، فأين الحقيقة؟
حتى نصل إلى نتيجة مبنية على نظرة موضوعية حيادية، ينبغي لنا الوقوف على أحوال مصر قبل دخول الإسلام، خاصة إبان الحكم البيزنطي الذي سبق الحكم الإسلامي مباشرة، للتعرف على نوعية النقلة التي حدثت للمصريين بعد دخول الإسلام، هل كانت نقلة إيجابية، أم أنها ردة حضارية؟

كذلك من الأهمية بمكان أن نتعرف على نظرة الدولة الإسلامية في المدينة إلى مصر في عهد النبوة، هل كانت تنظر إليها على اعتبار أنها جزء من الدولة البيزنطية؟ أم تنظر إليها بمعزل عن ارتباطها بالبيزنطيين الغزاة؟
والأهم من هذا وذاك، أن نقف عن أثر دخول الإسلام مصر على أقباطها، وكيف قابلوا هذا الواقع، وهل كان دخولهم في الإسلام طواعية أم كرها؟ وما هو أثر الإسلام على المسار الحضاري للمصريين؟مصر في العهد البيزنطي: عام 30 قبل الميلاد، كان بداية فقد المصريين استقلالهم السيادي، بعد أن خسرت كليوباترا وأنطونيوس معركة أكتيوم البحرية، أمام أوكتافيوس عام 31 قبل الميلاد، لتصبح مصر ولاية تابعة لروما، التي أقدمت على احتلال مصر في أواخر العهد البطلمي، خوفا من قيام دولة في المنطقة تهدد مصالحها وتوسعاتها.

وبعد اعتناق الرومان المسيحية، لم يمنعهم ذلك من الاضطهاد الديني لمسيحيي مصر، لاختلاف المذهب، حيث أن البيزنطيين طوعوا المسيحية لحضارتهم الإغريقية، فكما قال القاضي عبد الجبار الهمداني، إن النصرانية عندما دخلت روما لم تتنصر روما، لكن النصرانية ترومت، فاستمرت الكنيسة البيزنطية تضطهد المسيحية المصرية، وحتى بعد أن فرض البيزنطيون مذهبهم، استمر المصريون في مقاومته، فقتل الإمبراطور الروماني جيستنيان في الإسكندرية وحدها مئتي ألف قبطي، حتى انسحبت المسيحية المصرية من الحياة المدنية إلى المغارات والكهوف والصحارى، وخلفت الكنائس التي احتلها البيزنطيون، وأصبحت مصر في حالة فراغ أو موت حضاري. عندما استعصت مسيحية مصر على المحاولات البيزنطية لتغيير عقيدتهم، عيّن هرقل أسقفا على الإسكندرية وحاكما على مصر اسمه سيروس، وبذلك جمع له السلطة الدينية والسلطة السياسية، بخلاف ما كان معهودا عن الدولة البيزنطية، التي ترسل حاكما سياسيا ومعه آخر ليكون أسقفا، ولما عجز عن استمالة مسيحيي مصر لمذهبه اضطهدهم اضطهادا شديدا، وبذلك أفقد الأقباط أي فرصة للولاء للدولة البيزنطية.

كان الظلم على الأقباط ممتدا من فترة دخول الرومان مصر بعد هزيمة البطالمة وحتى مجيء الإسلام، ففرضت ضريبة الرأس على المصريين من سن 14 سنة، حتى الخامسة والستين، وضريبة القمح أردب على كل نصف فدان مصري، وضريبة الميرة العسكرية، والفاكهة والخضروات، وضريبة تقوية الجسور والقنوات، وضريبة الحيوانات والخنازير، وضريبة التاج وغيرها من الضرائب. كان الحاكم الروماني يقبض على زمام الأمور الإدارية والمالية والقضائية، تعاونه فرق رومانية يدفع نفقاتها الأقباط، وكانت تعتبر مخزن غلال لروما، ويقومون بتسخير الشعب المصري في الأعمال التي يحتاجونها، وعانى الأقباط الأمرّين من الطبقية، ومنعوا من استخدام لغتهم، كما منعوا من الجندية.

نظرة دولة الإسلام في المدينة لمصر:
كانت العلاقة بين مصر ودولة الإسلام سابقة على دخول الإسلام مصر، فلما قامت دولة الإسلام بالمدينة، توجهت سياسة الدولة إلى عرض الإسلام على الدول الأخرى، فانطلقت الرسائل في طريقها إلى شتى البقاع، ومنها مصر التي يتزعمها المقوقس، فأرسل النبي، صلى الله عليه وسلم، الصحابي حاطب بن أبي بلتعة إلى مصر، ويلاحظ هنا أن النبي راسل هرقل ملك الروم البيزنطيين، وأرسل كذلك إلى مقوقس مصر التابعة لهرقل، بما يعني أن الدولة الإسلامية لم تعترف بأن مصر هي من شأن الرومان، بل لم يذهب رسول المدينة إلى سيرس حاكم مصر من قبل الروم، بل سلم الرسالة إلى مقوقس حاكم ممفيس، ولذلك يلفت الإمام محمد عبده إلى خطأ القول، بأن المقوقس هو سيرس نفسه، بل المقوقس قبطي وهو حاكم ممفيس، فالدولة الإسلامية رفضت الاعتراف بالنظام العالمي آنذاك القائم على وجود قطبين يحكمان العالم هما فارس والروم، فتوجه الخطاب الإسلامي إلى البلاد المستعمَرة، لا إلى من يحتلهم، فعرض حاطب بن أبي بلتعة الرسالة على المقوقس في العاصمة الوطنية لمصر «ممفيس» فاستقبله المقوقس استقبالا حسنا وأكرم وفادته، وأرسل معه هدايا مصرية وجاريتين هما سيرين، التي أصبحت أم شاعر الإسلام حسان بن ثابت، واختها مارية، التي كرمها الإسلام بأن تكون أما لأحد أولاد نبي الإسلام.
لقد تنبأ النبي بفتح مصر، حيث قال في حديث شريف (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهَا ذِمَّة وَرَحِما أَوْ قَالَ: ذِمَّة وَصِهْرا). هكذا توجه الإسلام بالخطاب المستقل إلى أهل مصر إعلانا عن عزمه على تحريرها من الاستبداد السياسي والديني والحضاري الذي أحدثه البيزنطيون في مصر.

موقف الأقباط من دخول الإسلام:
يروي الراهب يوحنا النقيوسي، الذي عاصر دخول الإسلام مصر في كتابه «تاريخ العالم القديم» أن كثيرا من المصريين اعتنقوا الإسلام قبل أن يتمكن المسلمون من السيطرة على مصر نهائيا، وكان لسان حال الجميع أن طرد الرومان وانتصار المسلمين حصل بسبب طغيان الإمبراطور والمضايقات التي كان يسببها للأرثوذكس، وتعتبر شهادة النقيوسي عمدة في هذا الباب، نظرا لأنه عرف بتشدده وتعصبه ضد المسلمين العرب.

والمقبول منطقيا أن الأقباط الذين دخلوا في الإسلام حينها دخلوها طواعية، فهم قد صمدوا أمام الاضطهاد البشع الذي مارسه عليهم البيزنطيون فقط من أجل تغيير مذهبهم الديني، وقتل منهم جمع غفير، فهل يعقل أن يتركوا دينهم بالكلية من دون اقتناع؟ المؤكد أن العرب الفاتحين كانوا يحاربون البيزنطيين لا المصريين، الذين كانوا يئنون تحت وطأة الاضطهاد البيزنطي، حتى أن بعض المؤرخين المصريين المسيحيين في العصور الوسطى مثل ساويرس بن المقفع قال، إن انتصار العرب هو غضب من الله على الروم بسبب عقيدتهم الفاسدة، ولهذا ساعد الأقباط العرب في الفتح، والشواهد التاريخية دالة، بما لا يدع مجالا للشك، أن العرب كانوا بعد الفتح يتحببون إلى أقباط مصر، كما أعاد عمرو بن العاص بعد استيلائه على الإسكندرية، البطريرك اليعقوبي بنيامين الذي كان قد اختفى ثلاثة عشر عاما خوفا من اضطهاد سيرس، ما جعل أقباط مصر يبتهجون بذلك، وبفضل المسلمين استرد الأرثوذكس كنائسهم وأديرتهم، وقد أشارت المصادر التاريخية إلى بناء البطريرك أغاتون كنيسة القديس مرقص بالإسكندرية في زمن ولاية عمرو بن العاص الثانية على مصر، كما تم تجديد العديد من الكنائس.

من نتائج الفتح الإسلامي:
لقد محا الفتح الإسلامي أي أثر سابق لمن احتلوا مصر عبر الزمان، وظلت مصر عربية إسلامية إلى وقتنا هذا، ولأول مرة منذ أمد بعيد، يشارك المصريون في حكم أنفسهم وإدارة بلادهم، حيث إن المسلمين مكنوا الأقباط من الوظائف التي كان يحتلها الروم. نشطت الصناعة والزراعة في ظل الحكم الإسلامي، وأصبحت الإسكندرية أكبر الأسواق العالمية، وراجت فيها حركات تجارة القمح والكتان والورق والزجاج والعاج، وتصب فيها البضائع الصينية والهندية، ولم يبق من الضرائب السابقة التي فرضها البيزنطيون من قبل أي نوع من أنواع الضرائب، ما عدا الخراج السنوي وهي ضريبة تؤخذ على المال الزراعي والصناعي والتجاري، ولم تكن الجزية سوى دينارين، للقادر على الدفع، نظير الدفاع عنه ضد أي مستعمر، وتأمين حياته بعد أن يهرم ويصبح غير قادر على التكسب، ولم تكن تؤخذ من الشيوخ الكبار المسنين. وأدرك المسلمون دور مصر التجاري، فمكنوا الأقباط من سبل التجارة وميادينها التي لم ينعموا بها في ظل الحكم البيزنطي، وأطلقوا لهم حرية الاعتقاد، وأمنوهم على ممتلكاتهم وأرواحهم، وتركوا لهم الصناعات والوظائف والزراعات، واكتفوا بإدارة البلاد والإشراف عليها والقضاء والحكم والجيش والشرطة، ما شجع الكثيرين من الأقباط على الدخول في الإسلام.

وأخيرا، إذا ما قال قائل هل كان دخول العرب فتحا أم غزوا، قيل له: مصر كشعب وأمة تم فتحها صلحا، بينما مصر كدولة أو سلطة بيزنطية فإنها فتحت عنوة، بعد معارك طاحنة جعلت من هذا الفتح أطول فتوح الإسلام، وفي ضوء ذلك يمكن فهم ما قاله توماس أرنولد، إنه قد تحول كثير من القبط إلى الإسلام قبل أن يتم الفتح وساروا على نهج إخوانهم المسلمين، والله غالب على أمره لكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

تركيا واستثمار الماضي

يقول ابن خلدون في تاريخه: «فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب جمّ الفوائد شريف الغاية، إذ …

3 تعليق واحد

  1. أشكر سيادتك علي تصحيح الخلط بين سيروس والقوقس وأود أن ألفت النظر أن سيرين زوجة الشاعر حسان بن ثابت وأم إبنه ..ولك جزيل الشكر

  2. نسب حسان بن ثابت
    حسان بن ثابت .. شاعر الرسول .. شاعر النبيهو أبو الوليد حسان بن ثابت من قبيلة الخزرج، التي هاجرت من اليمن إلى الحجاز، وأقامت في المدينة مع الأوس..ولد في المدينة قبل مولد الرسول r بنحو ثماني سنين، فعاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة أخرى، وشب في بيت وجاهة وشرف، منصرفًا إلى اللهو والغزل، فأبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي، من سادة قومه وأشرافهم، وأمه الفريعة خزرجية مثل أبيه.

    وحسان بن ثابت ليس خزرجيًّا فحسب؛ بل هو أيضًا من بني النجار أخوال رسول الله r فله به صلة وقرابة.

  3. سيرين ليست أما لحسان بن ثابت وإنما أهداها النبي صلى الله عليه وسلم له فتسرى بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *