الجميع يرحلون، في ضجيج أو صمت، بين أحضان الوطن أو بين أنياب الغربة، يضعُ الموتُ حدًّا لأنفاس الجميع، المُسيء والمحسن، المخلص والدنيء، لكنه ما بين موت إنسانٍ وآخر يقول التاريخ كلمته، فالخلود لأهل المبادئ والقيَم، ولأوباش القوم مزابل التاريخ.
السورية الراحلة مي سكاف، اختارت أن تعيش وتموت في ركب الأحرار، وآثرت الاصطفاف مع الشرفاء لمواجهة أعداء الإنسانية والتراب.
كغيرها من طائفة الممثلين في سوريا، كان لها رصيد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية، غير أن حب الشهرة والظهور لم يعْمِ بصرها عن جرائم الطاغية، ولم تقبل أن تقوم بدور الشيطان الأخرس تجاه الاستبداد والقمع، ولم تشأ أن يعلو شأنها الفني في ظل التملّق ومُهادنة النظام الجائر.
“لن أفقد الأمل، لن أفقد الأمل، إنها سوريا العظيمة، وليست سوريا الأسد”، كانت هذه آخر الكلمات التي دونتها المناضلة ذات الـ49 ربيعًا على فيسبوك، قبل أن تفيض روحها إلى بارئها من قلب باريس، بعد حياة حافلة بالنضال ورفض الظلم.
الظلم الذي رأت أبناء بلدها يتجرعونه منذ أن رأت بأمِّ عينيها إبان طفولتها، زبانية الأسد وهم ينطلقون في الشوارع ويخلعون الحجاب عن أجساد حرائر سوريا، الظلم الذي عاينته عندما تناهى إلى أسماعها مجزرة حماة، وأزكم أنفها رائحة شلالات الدم التي أُريق في سجن تدمر، فكانت تلك الأحداث الجِسام عاملًا هامًا في تكوين وعيها السياسي المبكر.
فما ظنكم يا سادة بفتاة دأبت في صباها على التسلل ليلًا على سُلّم بارتفاع ثلاثة طوابق من أجل أن تكتب “تسقط الإمبريالية”، وملأت جدران منطقة المهاجرين بدمشق بعبارات منددة بالظلم والاستبداد.
وما إن خلَفَ بشارُ أباه على عرش سوريا عام 2000، حتى أغرق البلاد بوعودٍ بإطلاق الحريات، تبين سريعًا للشعب أنها وعود زائفة، فما هي إلا ستة أشهر حتى عادت الكلاب المسعورة وزبانية أقبية التعذيب لهوايتهم في قمع الحريات والتنكيل بالشرفاء، إلى أن جاء عام 2005 والذي توافقت فيه تيارات وقوى وطنية على وثيقة “إعلان دمشق” والتي ترسم معالم التغيير الديموقراطي، فسارعت الفنانة المناضلة إلى التوقيع عليها، لتدخل في مواجهة مباشرة مع نظام الأسد.
وحين اندلعت الثورة التي انتظرتها مي سكاف طويلًا، كانت في صفوف الثوار منذ اللحظة الأولى، واعتقلتها السلطات الغاشمة عام 2011، ثم أعيد اعتقالها عام 2013، لتخرج من أرض الوطن مضطرة إلى الأردن، ثم إلى فرنسا، ولم تكُفّ طيلة هذه السنوات عن مشاركة وتنظيم فعاليات ثورية في الخارج ضد نظام بشار حتى وافتها المنية.
لقد كانت ميّ من ألد أعداء التوريث الذي كرّس له حافظ الأسد، ولما سُئلت من قِبل الجهات الأمنية أثناء التحقيق عن دواعي ثورتها على النظام، قالت” لا أريد لابني أن يحكمة ابن بشار الأسد”.
إنها مي سكاف الفنانة الثائرة التي طالب الشيخ سارية الرفاعي خطيب مسجد الحسن في الميدان بدمشق، السلطات بإطلاق سراحها بعد اعتقالها بمظاهرة رافضة للنظام، وهي التي هتف باسمها إبراهيم القاشوش بلبل الثورة السورية في المليونية المعروفة في ساحة العاصي بحماة تعبيرًا عن دورها الفاعل في فاعليات الثورة بأكثر مناطقها سخونة وحصارًا.
مي سكاف ذات الجذور المسيحية، دحضت فرية النظام بأن الحراك السوري كان إسلاميًا حتى يتسنى له وصمه بالإرهاب، على أساس أن الإرهاب اسلامي المولد والنشأة والتكوين عند مسوخ القوم والغرب المنافق، فأثبتت مي سكاف بمشاركتها القوية أن الثورة شعبية عامة على النظام السوري الطائفي الدموي، فأعلنت للجميع أن الإرهاب المنسوب للإسلام هو صناعة المجتمع الدولي بالتعاون مع الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد.
مي سكاف التي باعت مصدر عيشها وتكسُّبها من الفن حتى تشتري به حريتها وحرية الأجيال القادمة، كانت مُصِرّة على البقاء في سوريا رغم بطش النظام، ورفضت عدة عروض للجوء السياسي قُدمت إليها، ولم تخرج من وطنها إلا بعد أن بلغ السيل الزُّبى، فخرجت في رحلة محفوفة بالمخاطر استغرقت تسع ساعات رغم أنها لا تحتاج إلى أكثر من ساعة ونصف، ورأت بعينها سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام، وقطعت رحلتها وسط مخاوف الوقوع في قبضة حزب الله عندما وصلت إلى عرسال اللبنانية ثم إلى بيروت.
وتحكي الفنانة في إحدى مقابلاتها أن الإسلاميين هم من ساعدوها ووقفوا إلى جانبها قبل خروجها، وقالت: هل من يساعد امرأة وممثلة مسيحية هم إرهابيون؟ إن كان مساعدة الناس والوقوف بجانبهم إرهاب، فإن الإرهاب على رأسي، والله محي الإرهاب”.
عندما يزول نظام بشار الأسد، وتعود سوريا لأهلها، حينها تعود مي سكاف يرفرف اسمها إلى جانب علم سوريا، ويحتفي بها الشعب كأيقونة للثورة السورية، وإحدى المناضلات اللاتي صمدْنَ أمام جبروت النظام.
وأما غيرها من الفنانات اللاتي لعقْنَ أحذية جيش النظام النصيري الدموي، ورقصن على جثث الشهداء، ونذرن حلْق الشعور إذا تم تحرير حلب من الثوار، فأولئك من العار أن نضعهن موضع المقارنة مع مي سكاف، وأولئك سيكون من حسن حظهن أن تأتي لحظة النصر وهن في القبور، فالشعب سيحاكم الخونة لا محالة، وفي الحالتين فالنهاية إلى مزبلة التاريخ حيث الرمم التي يعافُها المارّة، وما أشبه قبورهم بقبر أبي رغال، ارتضى مذلة العمالة والخيانة في حياته، ونال الرشق بالنعال بعد مماته.
رحلت المناضلة مي سكاف في موكب الأحرار، ولن ينساها الشرفاء، وستصبح كغيرها من المناضلين في سوريا منارات للأجيال القادمة..
نسأل الله أن يقر أعيننا بتحرير سوريا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة