الرئيسية / مقالات / عندما تضيق آفاق الرجال

عندما تضيق آفاق الرجال

لَعمْرُكِ ما ضَاقَتْ بِلاَدٌ بأهْلِها … ولكِنَّ أخْلاَقَ الرَّجالِ تَضيقُ

دعني أيها الشاعر أقتبس من كلماتك لواقعٍ أشدّ إيلامًا من زمنك الغابر، فأقول بركاكة أسلوبي:

لعمرك ما ضاق شرعٌ بمذهبٍ…..ولكنّ آفاقَ الرِّجالِ تضيقُ

أولئك الذين حجّروا واسعًا، وحاكموا الأمة على خياراتهم الفقهية التي تنتظم ضمن جملة من الآراء الفقهية، فبدّعوا وفسّقوا مخالفيهم ولو كانت داخلة في دائرة الخلاف المعتبر.

كتبت في يوم الحجاب العالمي على تويتر: “يحق لكل مسلمة أن تباهي الدنيا بحجابها وسترها وعفتها الذي هو تاج إيمانها وزينة وقارها، يا ابنة الإسلام افخري بإسلامك وحجابك فهو الأصالة التي لا تنقضي، والحداثة التي لا تندثر، كوني حرة، والحرة لا تسلك مسالك أهل الخسة والفجور”.

ولما أرفقت بالتغريدة شعار الحملة وبه صورة لمحجبة كاشفة الوجه، انفتحت النيران علي من قبل بعض المتابعين وخاصة السعوديين، إذ يرون أن الحجاب في الإسلام هو تغطية المرأة جميع البدن بما في ذلك وجهها، وغير ذلك فليس هو الحجاب الشرعي، معتبرين أن كاشفة الوجه عاصية مخالفة لأمر الله ورسوله.

هؤلاء تجاهلوا الخلاف السائغ في المسألة، فلا يزال العلماء منذ قرون مختلفين في وجوب تغطية الوجه والكفين، ولم تقم بينهم تلك المعارك التي نراها في الوقت الراهن، لأنهم كانوا يستوعبون أن المسألة ليست من مسائل الإجماع، لم يأت فيها نص قطعي الدلالة ولو كان قطعي الثبوت، حتى أن الفريقين ربما استدلا بنفس النص، كقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)، استدل به المجيزون والمانعون معًا، كلٌ منهما ذهب بالنص مذهبًا مخالفًا للآخر في المسألة لاحتماله الاثنين بالفعل.

عندما يتعمق القارئ في مطالعة أقوال العلماء في المسألة التي تعد من مسائل الفروع، يرى أن كل فريق له استدلالاته واجتهاداته فيها، وكل منهما يرد على استدلالات الآخر، بما يجعلك تستشعر قوة الخلاف في المسألة، فلماذا التشغيب على المخالف بهذه الصورة البشعة؟

وماذا يفعل هؤلاء المتشددون بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (لا يُصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة) ففهم بعضهم من حديثه أنه يحثهم على المسير فصلوا العصر في وقته بالطريق، وأخذ البعض الآخر بظاهر النص النبوي فلم يصلوا العصر إلا بعد وصولهم بني قريظة رغم فوات وقت الفريضة، ولم يُعنّف النبي صلى الله عليه وسلم أيًّا من الفريقين، فكان هذا الحديث عمدة في اعتبار الخلاف المبني على النص حمّال الأوجه في تفسيره.

هؤلاء أصحاب الأفق الضيق وضعوا تصورات محددة عن صورة المجتمع الإسلامي بناء على خيارتهم الفقهية، وحاسبوا الناس عليها، وكأنهم قد حسموا الخلاف في المسائل التي اختلف فيها السابقون في الفروع، والتي فيها توسعة على الأمة وتضييق دائرة المحرمات.

وربما يأتيك الواحد منهم من باب الاحتياط في الدين وسد الذرائع، غير عابئ بأن المبالغة في هذا الباب تُحجّر على الأمة واسعًا، كان يكفيه أن يُلزم نفسه بالأحوط لا أن يفرضه على الناس، فالفقه كما قال ابن المبارك “رخصة من ثقة”.

ثم يحشد لك أسماء العلماء القائلين بوجوب تغطية الوجه على مر التاريخ، ويتجاهل حشدًا آخر – ربما كان أكثر عددًا – من أولئك العلماء المبيحين للكشف، ولقد رأينا حتى من جهابذة العلماء أصحاب الاتجاه السلفي من يقول بجواز الكشف، منهم محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، وفقيه مصر الشيخ محمد عبد المقصود.

متى نتعلم فقه الخلاف، ومتى ندرك أن ما وسع السابقين يسع اللاحقين، وأن المسألة طالما كانت خارج إطار أصول الاعتقاد وما أجمعت عليه الأمة وخارج دائرة الخلاف الشاذ الذي لا يعتد به، وكانت من موارد الاجتهاد، فإنها يسوغ فيها الخلاف ولا إنكار ولا تعنيف فيها على المخالف. ليس من الفقه إثارة العداوات والخصومات الفقهية في وقت الأمة أحوج ما تكون إلى تراصّ الصفوف، نسأل الله أن يبصرنا بالحق ويهدنا إلى اتباعه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل كان السلطان سليم الأول طائفيًا؟

– السلطان سليم كان مدركًا قبل توليه الحكم خطورة الدولة الصفوية التي تسيّس التشيع– قاتل …

تعليق واحد

  1. احمد عيسى الحمدان

    للعلم اختي الكريمة الآن صار المتشددون في وجوب تغطية الوجه اكثر تساهلا من الداعين بجواز كشفه ليس من باب مراجعة الاجتهاد انما من باب مسايرة وطاعة ولاة الامور .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *