الرئيسية / مقالات / عزمي بشارة إذ يتحدث عن السلفية

عزمي بشارة إذ يتحدث عن السلفية

في عالم الحيوان، يلتزم كلٌ حدَّه، فلا ترى أسدًا يرفرف بيده طمعًا في التحليق مع الطيور، ولا يغار القرد من صفير البلبل فيحاكي صوته، ولا يزعم الفيل قدرته على بناء بيت للعنكبوت، أما في عالمنا، فقد أعطى الإنسان لنفسه الحق في أن يخوض في غير مجاله، وقديمًا قالوا: “إذا تكلم المرء في غير فنِّهِ أتى بالعجائب”.

لما قضت عجائب الدهر أن يتكلم أهل الفن والرقص في قضايا الدين، أفسحوا مجالًا لمفكرين وكُتّاب لأن يخوضوا فيها، مدعومين في ادعاء هذا الحق بمخزونهم الثقافي وشهرتهم التي بلغت الآفاق، كان منهم الكاتب والمفكر عزمي بشارة الذي تعرض لنقد السلفية عبر كتابه الأخير “في الإجابة عن سؤال: ما هي السلفية؟”.

قطعًا لا أستنكر تناول بشارة لمنهج يمثل شريحة واسعة من الأمة لكونه ذا جذور مسيحية، ولو أنه تناول السلفية كمصطلح ومفهوم من وجهة فلسفية كعادتة في منهجه البحثي والتحليلي لكان الأمر هينًا، لكنه قد زج بنفسه للخوض في أصول الدين والاعتقاد ونصّب نفسه لما هو غير أهل له.

بعد أن شرع الكاتب في تعقيد فهم مصطلح السلفية، حاول الربط بين المصطلح وبين منهج الإمام أحمد وابن تيمية لينتهي إلى دعوة محمد بن عبد الوهاب في المسيرة الإحيائية لهذا المصطلح، في إشارة واضحة لعزلته عن جموع علماء الأمة الآخرين، وهو بذلك يُصور السلفية على أنها إحياء لمدرسة قديمة تخص فئة بعينها، وليست منهجًا سار عليه الأولون سواء كانوا من أهل الرأي الذين يتزعمهم الأحناف ، أو أهل الحديث الذين تزعمهم مالك ثم الشافعي ثم أحمد، وكلهم من أهل السنة والجماعة، تلقتهم الأمة بالقبول جميعًا، فهم سلف لأتباعهم.

السلفية مصطلح ناشئ، يعني اتباع منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهو منهج شامل متكامل في الأصول والفروع، في العقيدة والأخلاق والسلوك، وفي المنهج الإصلاحي، وفي الحكم على الآخرين، ويقترب المسلم من حقيقة هذا المسمى بمدى تحقيق جوانبه المختلفة.

يحاول بشارة في كتابه الادعاء بانفراد السلفية بحُجية الإجماع، رغم أنه أصل من أصول الاستدلال لدى أهل السنة والجماعة بعد الكتاب والسنة، فالأمة لا تجتمع على ضلالة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

ذهب الكاتب إلى أن السلفية تُقدم النقل على العقل في الجملة، وعلى الرأي القائم على الدليل العقلي عند التعارض، وأن ذلك هو منشأ الاستقطاب بين أهل الحديث أو الأثريين وبين أهل الرأي، وفي ذلك تلبيس على القارئ، فالعمل بالرأي ليس عيبًا، وعمل به كل الأئمة حتى الذين لا ينتسبون إلى السلفية بمفهوم عزمي بشارة، وهذا الصحابي معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام يجيب النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، فذكر أنه يقضي بكتاب الله، ثم بسنة نبيه، ثم يجتهد رأيه، فأقره على ذلك، فمن الواضح أن الكاتب يحاول إلصاق تهمة الجمود الفكري بالمنهج السلفي، والذي ترك تراثًا عامرًا بالاجتهادات والتأويلات.

ثم يُظهر لنا فهمه لمعنى الاستناد إلى الكتاب والسنة عند السلفية، فيقول أنه يعني أن كل ما عداه فهو بدعة، وأطلق الكلام هكذا دون تفصيل، ولم يتطرق إلى مفهوم البدعة في أنها كما عرفها الشاطبي “طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد”، فيخرُج منها ما كان من أمور الدنيا، ويخرج منها ما يفعل على غير قصد التعبد كتعليق الزينة في شهر رمضان مثلا، وهذا النهج لا يتعلق بالسلفية وحدها، وإنما هو شأن أهل السنة لا يتعبدون إلا بما شرع في الكتاب والسنة، فالأصل في العبادات أنها توقيفية، لكن يظهر أن مقصد الكاتب اتهام السلفية بالجمود.

ثم يأتي الكاتب بنادرة الدهر عندما يدعي تشارك السلفية والشيعة الإمامية في الاستناد إلى الكتاب والسنة، متجاهلًا بذلك الفروق الجوهرية بينهما، منها أن الإمامية لا يعترفون بما هو مُدوّن في كتب السنة كالبخاري ومسلم، ويردون الأحاديث المروية من جهة الصحابة لأن أكثرهم مرتدون لدى الإمامية، ومنها أن الإمامية تشترط في مصدرية القرآن أن يكون بقيّم كما قال الكليني في كتاب الكافي الذي يعد أحد أبرز كتبهم ، والقيم هنا هو الإمام علي رضي الله عنه، فقول الإمام علي هو الحجة الوحيدة في قبول النص القرآني، كما خالف الشيعة في اعتبار ما يصدر عن أئمتهم كلامًا معصومًا عصمته من عصمة القرآن، وليس كحال السلفية أو أهل السنة في أن كلًا يؤخذ من قوله ويُرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم .

ومما لفت انتباهي في الكتاب قول المؤلف: “للتزمت قواعد اجتماعية وسياسية، إذ يظهر المعترضون على خلق القرآن مثل أحمد بن نصر الخزاعي وأحمد بن حنبل أبطالًا وشهداء، ولعل سبب ذلك عند العامة أنهم أشد تزمتًا، في حين أن المقتولين من غير حنابلة ولا سنة كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان لا يعدون شهداء ولا أبطالا مع أنهم تعرضوا للتعذيب والقتل…”.

وهنا يقحم نفسه في قضية اعتقادية وهي القول بخلق القرآن، ويرى أن السلفية المتزمتة ترى الإمام أحمد الذي رفض القول بقول القرآن شهيدًا في سبيل ما انتصر إليه من قول، وكأن القول بخلق القرآن هو رأي فقهي خاص بأحمد، أو أنه مسألة ساغ فيه الاختلاف، مع أن المذاهب الأربعة أجمعت على بدعية القول بخلق القرآن، وهو قول عامة أهل السنة، وخالف في ذلك المعتزلة والجهمية والإمامية، ثم يساوي بين أحمد الذي هو من أئمة أهل السنة، وبين الجعد بن درهم والجهم بن صفوان أئمة الجهمية التي تعد من أكثر الفرق ابتعادًا عن المنهج النبوي.

ومن أخطر ما روج له الكاتب هو نسبة التكفيريين والدواعش إلى السلفية، باعتبار أنها سلفيات متعددة، وهو خطأ فادح، فالمنهج السلفي يقوم على الاحتياط في التكفير، ووضع ضوابط قاسية في إطلاق أحكام الكفر مستقاة من الكتاب والسنة، وليته نقل كلام ابن تيمية في التكفير وهو الذي اعتبره الكاتب رمزًا للمنهج السلفي، ليدرك أن الشطط والغلو هو سلوك أفراد وجماعات لا تعبر عن المنهج السلفي الحق.

لكن من وجهة نظري زبدة الكتاب ومحوره والهدف الذي تم من أجله تأليف الكتاب، هو ضرب السلفية النجدية المسماة بالوهابية، واعتبارها ذات منهج مخالف للسلفية الإصلاحية.

فيرى أن السلفية لدى أتباع محمد بن عبد الوهاب هي نقطة عودة وانكفاء على إسلام متخيل، ومن ثم يردد الكاتب ما يقال عن دعوة ابن عبد الوهاب من أنها دين جديد وليست حركة تجديدية تسير على نفس المنهج الإصلاحي للسلف، ولها نفس الأصول والمنطلقات، علمًا بأن ما يعرف بالوهابية متجذرة في غير دولة ومنها بعض دول الخليج، ومع ذلك لم نر في هذه الدول مظاهر للتشدد.

إن زلل بعض علماء السعودية وتنصيب أنفسهم أبواقًا للنظام لا يعني الطعن في جميع العلماء السلفيين فيها، وإن التحجر الذي أصاب بعض علمائها لا يعبر عن حالة عامة، فهذه الآفات لا تكاد تخلو منها دولة من الدول، فلا أستطيع سوى القول أن الكتاب جاء في سياق خصومة سياسية مع السعودية التي أختلف مع نظامها اختلافًا جذريًا. ربما يندهش القارئ أن ما كتبت يتناول بضع صفحات من الكتاب، فقطعًا يحتاج الكتاب في الرد عليه إلى دراسة نقدية، لكنها إشارات ودعوة لأهل التخصص في تعهد هذا الكتاب وتقييمه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

أعوان الباطل

ذكر ابن سعد في الطبقات أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ قال: «لَا أُعِينُ عَلَى دَمِ …

2 تعليق واحد

  1. ابوعبدالله

    لا فض فوك وسلمت اناملك

  2. ان الكاتب عزمي بشارة ككل العلمانيين في انفسهم عقدة نحو الاسلام وعلماءه، يقيسون قياسا شموليا على من أساء منهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *