الرئيسية / مقالات / الشأن الإيراني / الثعلب الحوثي وأوهام السلام

الثعلب الحوثي وأوهام السلام

“إن الذين استطاعوا تقليد الثعلب بمهارة حققوا أفضل نجاح ولكن لابد لك أن تكون قادرًا على إخفاء هذه الصفة بمهارة”.

هي إحدى العبارات الشيطانية لمكيافيلي في كتابه “الأمير”، والذي يمثل دستورا لكل ديكتاتور مستبد، يؤكد على مبدأ: الغاية تبرر الوسيلة، حتى قيل أن الكتاب كان مرجعا أساسا لنابليون وهتلر، وكان موسيليني لا ينام قبل قراءته.

الثعلب من صفاته الروغان أو المراوغة (وكلاهما صحيح)، فهو يلجأ دائما إلى المكر والخديعة والاحتيال، كما قيل:

يعطيك من طرف اللسان حلاوةً     ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ

ولذا عرَّف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاستقامة بقوله: “أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب”.

هذا هو شأن الحوثيين في اليمن، لا يستقيم لهم ذيل، يتحدثون عن السلام وأيديهم على الزناد، ويطلقون النداءات بالتفاوض والحوار وهم يطلقون القذائف.

ثعالب الحوثيين وحليفهم المخلوع عندما ضاق عليهم الخناق، وفقدوا سيطرتهم على باب المندب ، وتوالت هزائمهم في مأرب، واقتربت قوات التحالف الذي تقوده السعودية من صنعاء لتحريرها، أرسل الثعالب إثر ذلك رسالتهم إلى الأمم المتحدة بقبولهم تنفيذ القرار 2216، واستعدادهم للتفاوض.

المتتبع لمسار المفاوضات لدى الحوثيين أدرك دون عناء، أنها مجرد مناورة سياسية لكسب الوقت وفك الضغط عن قواتهم.

فالحوثيون ما هم إلا أداة لتنفيذ أجندة إيرانية، يقاتلون بالنيابة عن عمائم قم في مشروعهم الصفوي الذي يستهدف ابتلاع المنطقة، والسيطرة على اليمن ومعها باب المندب، كمنفذ لتهديد السعودية ودول الخليج والهيمنة عليها.

إيران تدرك أن تفاوض الحوثيين وصالح بعد أن تدخلت قوات التحالف بقيادة السعودية ومعها المقاومة في الداخل لإعادة الشرعية، سيختزل مكاسبها ويقلم أظافرها في اليمن (الحوثيين)، ولذا لن يسعى الحوثيون إلى سلام، إلا ما كان مشروطا بما يضمن النفوذ الحوثي وبالتالي يضمن المصالح الإيرانية.

وبالرغم من إعلان تحالف الحوثي/صالح قبول الالتزام بالقرار 2216، وترحيب دول الخليج والأطراف الدولية بتلك المبادرة، إلا أن الأمر محفوف بالشكوك حول جدية الحوثيين وصالح في تنفيذ بنود القرار.

القرار 2216 ينص على انسحاب الحوثيين من كافة المدن التي سيطروا عليها، وتسليم السلاح للدولة، وإطلاق سراح المعتقلين ومنهم وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي، وفرض عقوبات على قيادات الحوثيين وعلي صالح ونجله.

فهل يقبل الحوثيون تنفيذ بنود القرار خاصة وأن الرئيس عبد ربه منصور يرفض الدخول في مفاوضات مشروطة مع الحوثيين، ويؤكد على ضرورة استناد أية مفاوضات إلى المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني.

من يتتبع مسار المفاوضات لدى الحوثيين مع خصومهم، يدرك حجم التقية السياسية التي يمارسونها، فلا تكاد تثبت لهم قدم في مفاوضات، ودائما هم أول من ينقضها ويلفظها، وأقرب مثال على ذلك اتفاقية السلم والشراكة بعد دخولهم صنعاء، وتنكرهم لها بعد أن قبلت بها القوى السياسية تحت ضغط الحوثي.

الحوثيون يمارسون ذات الحيلة الإسرائيلية في تعدد فهم النص، فبالرغم من الحيف والجور الذي تضمنته اتفاقية أوسلو تجاه الفلسطينيين، تنكر الصهاينة لتنفيذ بنودها، ولجئوا إلى تعدد فهم النص، فيقولون: أنتم فهمتم كذا ونحن فهمنا كذا.

ولذا قال رابين قبل مقتله: “اكتشفت أن هناك قراءتين لاتفاق أوسلو: قراءة فلسطينية وقراءة إسرائيلية، ونحن أمام تفسيرات مختلفة لقضية كنت أظنها واضحة في الاتفاق”.

وخلال هذه المماطلة والالتواء في تطبيق هذه البنود، كان العدو الصهيوني يتوسع في بناء المستوطنات، ويعمل على تهويد القدس وجعلها عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل.

الحوثيون أيضا يلجئون إلى تعدد فهم النص، فعندما يُلزمون بتسليم الأسلحة للجيش، يفسرونها بأن المقصود بالجيش قوات علي عبد الله صالح، وعندما يُلزمون بالانسحاب من المدن التي احتلوها يقبعون في طرقاتها المؤدية إليها وبالتالي يسيطرون عليها من خارجها.

الحوثيون يناورون من أجل كسب الوقت للتقدم عسكريا على الأرض، ففي ظل تصريح المبعوث الأممي ولد الشيخ بإعلان نهاية الشهر الجاري موعدا لبدء المفاوضات المباشرة بين الحكومة اليمنية والحوثيين في جنيف برعاية الأمم المتحدة، يتحرك الحوثيون صوب مديرية عسيلان بمحافظة شبوة، لاحتلال مدينة عتق مركز المحافظة.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه الحوثيون عن السلام تارة وعن التصعيد العسكري تارة أخرى، تواصل قوات الحوثيين وصالح قصفها المدفعي على أحياء سكنية في المجلية وقرى جبل صبر والروضة والجحملية وحي ثعبات في تعز، وأسقطوا مدنيين ما بين قتلى وجرحى، فأي سلام وأي مفاوضات يتحدث عنها الحوثيون وحليفهم؟!

الحوثيون سيتلاعبون بالبنود، ولن يقبلوا بتنفيذ بنودها وفق المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وستكون فرصة لهم لإعادة التسليح بالطائرات والأسلحة الثقيلة، وهو ما يؤكده توقيف سفينة إيرانية محملة بالسلاح كانت تتجه للحوثيين في الأسبوع الماضي.

على الحكومة اليمنية ودول الخليج خاصة السعودية، استغلال عنصر التفوق العسكري والمكاسب التي تحققت على الأرض، في تقييد الانقلابيين الحوثيين خلال أية مفاوضات، فتقديم تنازلات أمام هؤلاء الانقلابيين سوف يؤدي إلى إنعاشهم وبسط نفوذهم في اليمن.

وعلى الحكومة وقوات التحالف التمسك بتنفيذ القرار 2216 دون الاستجابة لأية إملاءات أو شروط حوثية خارج إطار المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني، وإلا عدنا إلى المربع الأول، واستمر التهديد الإيراني لليمن ودول الخليج عبر البوابة اليمنية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ردًا على ادعاءات ماكرون: حقيقة “الاحتلال” العثماني المزعوم للجزائر

– الأخوان بربروس (عروج وخير الدين) كانا يمثلان الوجود العثماني في الجزائر بشكل غير مباشر، …

تعليق واحد

  1. مقالة جميلة وتعبر عن الواقع الذي حدث تماما، ولكن كان ينقصها حابك السيناريو الأساسي، دويلة الإمارات التي سلمت الجيش بأكمله للحوثيين بأتفاقها مع المخلوع قبل وفاة الملك عبدالله بأيام قلائل، ولكن الملك سلمان وولي ولي عهد أنذاك محمد بن سلمان لم يكونا على علم بالخطة. حتى أن المخلوع أوفد أبنه أحمد للرياض قبل إندلاع الحرب، ليكمل معهم ما بدأه مع الملك عبدالله ورفضها محمد بن سلمان، ظانا منه أنه قادر على إنهاء الحرب بسهولة. وما يحدث اليوم في عدن مع الانفصاليين هو نفسه ما حدث أيام الحوثيين، الممثلين مختلفين والمخرج واحد.
    ماشاء الله تقريرك حتى من زمان جميل جدا وليتني كنت من متابعيك من زمان لكنت استفد من اسلوبك وخبرنك وذكاءك في التعبير والإخراج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *