تُورد بعض كتب الزراعة خُرافة عن “ثور” انجرحت رجله من سِكّة المحراث، فاقترب صاحبه من أذنه وهمس له سرا:
“إن لم تبرأ رجلك سريعا جُرِحَت رجلك الأخرى”
فتبرأ رجله بمشيئة الله كما تقول الخرافة.
في الحكاية رجل خسيس ينتفع من خوف الثور أكثر مما ينتفع من شفائه، كان يمكنه أن يعالج الجرح، أن يُريحه، أن يُخفف عنه حمل المحراث، لكنه اختار الطريق الأسهل: التهديد !
هذا الرجل لا يرى في الثور كائنا يتألم، بل آلة تعمل بالترهيب لا بالاحترام.
في النسخة المعاصرة من هذه الخرافة لا نرى الثور، بل نرى “المواطن الصالح” ..
المواطن الصالح في معجم الكثير من الأنظمة ليس هو الشريف النزيه الذي لا يظلم ولا يسرق ولا يعتدي، بل هو ذلك الذي لا يوجع السلطة، لا يسأل، لا يحتج، لا يرفع صوته، يجر المحراث في صمت، ويشكر على الخسارة قبل أن تصله الفتافيت.
الثور الصالح هو الذي يؤمن بمشيئة الله في السماء، لكنه يرتجف من صاحب المحراث على الارض ..
يُردد بقلب خائف “ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن”، ولكن مع كل قرار جائر، وكل اقتطاع من رزقه، وكل إهانة لكرامته، يقول في نفسه:
“لا تُغضِبْ صاحب المحراث، فإن غضبه أقرب وأسرع من غضب السماء” !
هنا جوهر الخرافة:
-ترتيب المخاوف في قلب الانسان ..
في عالم سوي يخاف المرء من الظلم قبل أن يخاف من السلطة، يخشى خيانة ضميره قبل أن يخشى الغرامة والسجن، يخاف أن يقف بين يدي الله وقد صمت عن الحق، أكثر من خوفه من أن يقف بين يدي مسؤول يوبخه.
لكن في عالم المحراث المعاصر يُعاد تشكيل هذا الترتيب:
يصبح أكبر الذنوب هو “إزعاج صاحب المحراث”، وأكبر الطاعات هو “السكوت عن الوجع” ..
انظر حولك:
-هناك موظف يعرف يقينا أن توقيعه على ورقة فاسدة مشاركة في السرقة، ومع ذلك يوقع وهو يتمتم “استر يا رب”، لكنه لا يجرؤ أن يقول لمديره “لا”.
-هناك إعلامي يعلم أن ما يقال على الشاشة تزوير للحقائق، لكنه يبتسم للكاميرا ويواصل، لأن مستقبل برنامجه في يد صاحب المحراث لا في يد الحقيقة.
-هناك مُعلم يردد مناهج لا يؤمن بها، ويزرع في عقول طلابه الخوف قبل أن يزرع فيهم السؤال، لأنه يعرف ان الدرجات بيد الإدارة، والإدارة بيد المحراث، والمحراث بيد من لا يحب كثرة الاسئلة !
هذه النسخة الحديثة من الخرافة القديمة:
رجل يهمس في أذن الثور “أنت تتظاهر بالوجع” !
واليوم منظومات كاملة تهمس في اذان الناس “أنتم تبالغون، ليس هناك ظلم، المشكلة في حسّاساتكم، في ضعفكم، في عدم فهمكم لضرورات المرحلة”.
هكذا يولد “المواطن الصالح” الذي لا يشتكي من الجرح بل يعتذر عنه، يلوم رجله الممزقة لا سكة المحراث، ويعاتب نفسه على الأنين لا على السكين.
لقد اختبر الناس عبر القرون حقيقة ثابتة:
عندما تتراجع القيم أمام الخوف، يصبح أقوى الناس هو أكثرهم سكوتا، ويصبح “الصالح” هو الأكثر قابلية للانقياد….
وهذا التشوُّه في تعريف الصلاح أخطر من الجرح نفسه، لأنه يخلق أجيالا تعتقد أن الفضيلة هي الصمت، وأن النجاة هي الطاعة، وأن الاستقامة هي قدرتك على إخفاء الألم.
لقد تحول الخوف من وسيلة حماية الى وسيلة ترويض…
المفترض أن يخاف الانسان من عاقبة الظلم حتى لا يُظلم،
ومن عاقبة الكذب حتى لا يكذب…
لكن الخوف الذي زرعته أنظمة المحاريث جعل الإنسان يخاف من قول الحق أكثر من خوفه من قول الباطل،
يخاف من “سوء الفهم عند السلطات” أكثر من خوفه من سوء العاقبة عند رب السلطات…
في عالم الثيران الحديثة لا تحتاج السلطة الى أن تعالج الجروح، يكفيها أن تلوح بالساق الأخرى.
لا تحتاج الى إصلاح رواتب ولا بناء عدالة ولا فتح أبواب مشاركة، يكفيها أن تفتح أبواب السجون على مصاريعها وتغلق أبواب الأمل قليلا قليلا، حتى يتشرب الناس رسالة واحدة:
“اسكت وجُرْ المحراث، رِجلك بخير ما دام صاحب المحراث راضيا” !
الفرق بين إنسان حر وثور صالح ليس في شكل الجسد، بل في نوع الخوف.
الحر يخاف على معناه قبل أن يخاف على عمره، يخاف من أن يتحول الى شاهد زور على زمنه، الى رقم في قطيع، الى ثور يبرأ جرحه خوفا من جرح آخر لا إيمانا بعدل أعلى.
والثور الصالح لا يسأل لماذا جُرِحَ أصلا، ولا من رسم حدود الحقل، ولا لمن تذهب ثمرة المحصول، كل همه أن تبقى قدمه في مكانها، وأن يبقى تحت سقف الحظيرة، وأن لا يسمع همسا جديدا في أذنه يهدد ما تبقى له من أمان زائف.
لهذا كانت أعظم ثورات التاريخ شروع في خلع هذا الهمس من الآذان، وتحويل الخوف من شكل الى شكل.
أن تنتقل من مرحلة “أخاف من صاحب المحراث” الى مرحلة “أخاف أن أظلم نفسي وأهلي بالسكوت”،
هذه نقلة كبرى… بل هذه بداية خروج من دور الثور الصالح الى دور الإنسان الذي يعرف أن مشيئة الله لا تستخدم ذريعة لإدامة الجرح، بل حافزا لرفض الظلم.
الخرافة الزراعية القديمة ليست عن ثور ومحراث فحسب، بل عن كل زمن يعيد تشكيل معنى الصلاح….
في زمن المحاريث يقال لك: الصالح هو المُطيع… فلا يكُوننّ تصنيفك مُتعِبْ !
وفي مقام القيم يقال لك: الصالح هو الذي لا يتنازل عن كرامته ولا عن كرامة غيره.
بين هذين التعريفين يعيش الإنسان معلقا:
يختار أن يكون ثورا صالحا يعالج جراحه المُتتالية بالخوف..
او إنسانا حُرا يُضمد جرحه وهو يستعيد صوته…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة