الرئيسية / مقالات / النسوية.. حركة تحرّرية أم تفكيكية

النسوية.. حركة تحرّرية أم تفكيكية

«عندما يعزل نفسه عن عقيدة أسلافه وأجداده، لا ينظر وراءه بعد ذلك، وهو لا يترك عقيدته فحسب، وإنما يستخفُّ بها، ويندفع اندفاعاً أعمى في أحضان الحضارة الأوروبية، غير عابئ بالحقيقة التي مفادها أن ما تراه العين، إنما يكون فقط العلامات والقشرة الخارجية لهذه الحضارة».

ليس ذلك المقطع لعالم أو مفكر أو فيلسوف مسلم، إنما هي للورد كرومر، وكيل الاحتلال البريطاني في مصر، الذي عمل على قدم وساق على تغريبها بدافع التعصُّب الأعمى، ها هو من خلال تلك الكلمات التي سجلها في كتابه «مصر الحديثة»، يصف المجال الفكري للتنويري المنتسب للإسلام، الذي يُنحِّي عقيدته وهويته راكضاً باتجاه المنظومة الفكرية الغربية لاستنساخ مفرداتها، مُغترًّا بالقشور البراقة التي تغطي الحضارة الغربية، دون نظرة ثاقبة في محاورها التي قامت عليها ولا في حقيقتها التي تواريها، ولا في مصطلحاتها التي تطلقها وتعمل على فرض ترجمتها في الواقع.

ولم يزل هذا التردّي في الفكر التنويري العربي قائماً، حتى استنسخ روّاده مصطلح تحرير المرأة من الغرب، منخدعين في بريق هذا المصطلح دون النظر إلى مدلولاته وقواعده الغربية التي ينطلق منها، والاكتفاء بنقل هذه الفكرة الغربية دون أن يطرحوا أية أسئلة نابعة من رؤانا وتجاربنا التاريخية والإنسانية وهويتنا الثقافية، ودون النظر في الأُطُر والقضايا العامة التي تندرج تحتها هذه الفكرة الغربية.

«الفيمينزم» أو النسوية أو حركة تحرير المرأة؛ مصطلح موهِم مُضلل، إذ إنه يحاول به مروّجوه الانتساب إلى ركب الحركات التحررية التي تتمحور حول الإنسان وحقوقه، وتنزع إلى المطالبة بالمساواة داخل الإطار البشري العام نفسه.

واقع الحركات النسوية المعاصرة، يُنبِّئ بوضوح أنها لا تتبنى خطاباً ثورياً على أوضاع جائرة أرستها بعض المجتمعات كالحرمان من الميراث، أو سلبها حقها في التعليم والعمل والإبداع، أو انتهاج العنف في التعامل مع المرأة ونحو ذلك مما تضمّنه السياق العام للبعد عن تعاليم الإسلام.

بل تتبنى هذه الحركات خطاباً يتمركز حول «الأنثى» ويُجرّدها من مرجعيتها الإنسانية المشتركة التي تجمعها بالذكر، وتحقق من خلاله ذاتها خارج إطارها الاجتماعي، وتنتقل من فكرة الحصول على الحقوق إلى فكرة إعادة صياغة الهوية، ويغدو الوجود البشري عبارة عن أنثى تتمركز حول نفسها، مقابل ذكر يتمركز حول نفسه، بينهما صراع أبدي تسعى فيه المرأة للتحرر من هيمنة الرجل.

النسوية تنزع إلى إعادة صياغة الأشياء وفقاً للنظرة الأنثوية، إلى درجة الهجوم على ما يعرف بذكورية اللغة والدعوة إلى تأنيثها.

وفي كتابه «قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى»، يشير المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري إلى أن هذه الرؤية النسوية تصل إلى ذروتها عندما تقرر أن تدير ظهرها للرجل وتعلن استقلاليتها المطلقة وأنها مرجعية ذاتها، حينها يصبح «السحاق» هو النتاج الطبيعي لرفض الإنسانية المشتركة، كما قالت إحدى النسويات: «إذا كان الفيمينزم هي النظرية، فالسحاق هو التطبيق»!

النسوية قائمة على توجه إمبريالي يتعامل مع الذكور على مبدأ الصراع ونفي الالتقاء على المشتركات الإنسانية، ومن ثم يرفض هذا الفكر مبدأ توزيع الأدوار بين الرجل والأنثى في المجتمع، وهو بذلك يعزز من اتساع الهوة بين الرجل والمرأة.

النسوية في ثوبها الواقعي تشبه إلى حد بعيد الإمبريالية الصهيونية، القائمة على إنكار المشتركات، والتمركز حول فكرة تصنيف الناس إلى يهود وأغيار، وأن هؤلاء الأغيار يحملون وزر تاريخ الاضطهاد الدائم لليهود، ويسعى اليهود إلى تحقيق الذات بشكل مطلق مجرد عن المشتركات الإنسانية، ولذا تخوض دولة الاحتلال صراعاً وجودياً في محيطها العربي والإسلامي.

كذلك الحال في شأن الحركات النسوية المعاصرة، تقوم على مبدأ التصنيف (أنثى مقابل الذكر)، وتؤكد تفردها وعداء الذكر لها، وإثبات ذاتها بصراع وجودي مع مجتمع الرجال.

لذلك مع ما حازته المرأة المسلمة العربية في ملف الحقوق الذي يخضع للحسابات السياسية والتبعية للغرب، لم تزل نبرة المطالبة بحقوق المرأة قائمة، تنتقل من مربع إلى مربع آخر، في تتابع لانهائي من المطالب المندرجة تحت شعار حرية المرأة.

النسوية تطرح المرأة كذات أنثوية مستقلة، لا علاقة لها بالأسرة ولا بدورها الطبيعي والتاريخي كجزء لا يتجزأ من هذه الأسرة، رغم أنها اللّبنة الأساسية في هذه الوحدة الاجتماعية التي تشكل نواة المجتمع.

لذلك يلقي صراعها –الذي أنشأته- مع الذكر بظلاله على تلك الوحدة، فمن ثم لا تعبأ الحركات النسوية بتضافر جهود الأب والأم لتربية الأبناء تربية سليمة وتحقيق الاستقرار في الأسرة، كل ما تطنطن حوله، شعارات تخريبية تفكيكية لكيان الأسرة، فالمتطلبات الأسرية وتربية الأبناء لا تأخذ موضع الأولوية لدى المرأة، وإنما الأولوية لديها هي خروجها لميادين العمل المختلفة وتحقيق ذاتها في مزاحمة المجتمع الذكوري، وترى التخلص من المسؤوليات التي ألقاها المجتمع على كاهل المرأة في البيت طيلة قرون، هكذا تتجه الحركات النسوية.

النسوية ترى أن المرأة لن تحقق ذاتها إلا خارج البيت، ومع خوضها هذا الصراع –غير المبرر- مع الذكر، الذي يؤججه ويرعاه النظام العالمي الجديد، تتعرض الأسرة التي هي نواة المجتمع، إلى التآكل والتفكك والتهاوي، وهي بذلك تحقق ما ترمي إليه الأطماع الاستعمارية التي أيقنت أنه لا جدوى من الاحتلال العسكري، وأن الغزو الفكري أنجع وأجدى، وأن تثوير المرأة على مجتمعها هو أقصر الطرق إلى تحقيق تلك الأهداف؛ ما يكشف لنا حقيقة هذه الحركات النسوية، التي تتبنى خطابات وتوجهات تفكيكية، تُفكك لُحمة المجتمع، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا يغيرنا رمضان

رمضان فرصة عظيمة للتغيير، وانتقال الإنسان من حال إلى حال أفضل، والتخلص من أسر العادات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *