الرئيسية / مقالات / أهل الفن…من النبذ الاجتماعي إلى مواقع التأثير والقدوة

أهل الفن…من النبذ الاجتماعي إلى مواقع التأثير والقدوة

منذ أن كان له من العمر ثماني سنوات، كان ذلك الطفل من حيّ البزورية في دمشق ينسل إلى حيث المنشدين يغني معهم، وإذا جلس في بيته يستذكر دروسه، فعل ذلك على صوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وصار يلفت انتباه الحضور في المناسبات بالغناء والقيام بأداء المنولوجات، حتى اصطدم بالقيم والأعراف السائدة التي كانت تجعل من الفنان أو الممثل شخصًا منبوذا، وتنظر إلى التمثيل باعتباره عيبًا اجتماعيًا، وتُسمي القائم به «المشخصاتي»، حتى كان جزاؤه الطرد من المنزل.


ما حدث مع الممثل والمونولوجست السوري رفيق السبيعي، من النبذ الاجتماعي، لم يكن حالة فريدة، فهناك الكثيرون من أهل الفن قديمًا طردتهم عائلاتهم وتبرأت منهم، كالفنان المصري زكي رستم، الذي كان والده عضوا بالحزب الوطني وصديقا للزعيم مصطفى كامل، تمرد على تقاليد أسرته بتفضيله الفن على الالتحاق بكلية الحقوق، وانضمامه إلى فرقة جورج أبيض، ما حدا بوالدته إلى طرده من البيت، باعتباره مثلًا سيئًا لإخوته، وكذلك الفنان سراج منير الذي كان والده يشغل منصبا مرموقا في وزارة المعارف المصرية، يُقال إنه مات بالحسرة على ولده سراج، الذي شغله العمل بالفن عن دراسة الطب، والنماذج في ذلك كثيرة ومعروفة.
عقودٌ مضت، تبدّلت معها الأحوال، وغدا أهل الفن هم أكثر فئات المجتمع شُهرة وتأثيرًا وثراءً، لدرجة أنْ أصبح الظهور في الأفلام والمسلسلات حلم الغالبية العظمى من الشباب وذويهم، وصار الفنانون يمثلون بلادهم في المحافل الدولية، ويظهرون في المناسبات العامة للدول، ويسافرون بصحبة الرؤساء والقيادات السياسية، ويتحدثون في أكثر القضايا حساسية، في ما يتعلق بالشؤون الداخلية لبلدانهم، بل ويُدْلون بدلْوهم في الأحوال العربية والإقليمية، والأكثر من ذلك أنهم يتدخلون في المسائل التي يُثار حولها الجدل في الشأن الديني، وقطعًا هي ظاهرة عالمية، غير أنني كمسلمة عربية، أتناول هذه القضية على صعيد أمتنا.


وهنا يتبدى سؤال يطرح نفسه بنفسه: هل التحول في مكانة أهل الفن وارتيادهم هذه المواقع في التأثير، وهذا الاهتمام المبالغ فيه بهذه الشريحة من قِبل الحكومات والأنظمة، قد حدث بسبب التغيرات الاجتماعية والثقافية أم أن هناك أسبابا أخرى لذلك؟ حتما لهذه العوامل دور كبير ساعد على هذا التحول، لكنني لا أستطيع أن أتجاهل البعد السياسي، وأعني توظيف الأنظمة العربية لشريحة الفنانين ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة- لتوجيه الرأي العام وفق متطلبات السياسة الرسمية، نظرًا للتأثير القوي للدراما على المشاهدين، فهي ناقلة لحياة الشعوب وعاداتها ومشكلاتها وآلامها وأحلامها، وتوازي تأثير الشعر لدى العرب قديمًا، الذي هو ديوان العرب كما ورد عن الصحابي عبد الله بن عباس. فالدراما تُشرك المشاهد في السياق، بمخاطبة حواسه، واستثارة عاطفته، بحيث يشعر بأنه جزء منها، ولذلك كان لها أبلغ الأثر في ترسيخ القيم وتوجيه الأفكار وصياغة التصورات، خاصة أن مضامينها تُوجّه الجماهير عبر أساليب التكرار والملاحقة والإثارة العاطفية، وهي أساليب معروفة من أساليب توجيه الرأي العام، ولهذا أوْلت الأنظمة العربية اهتماما كبيرًا بأهل الفن.

وحتى يكون الحديث أكثر تركيزًا، فإننا نسلط الضوء على النموذج المصري في التوظيف السياسي لأهل الفن، باعتبار مصر هي الأم في صناعة السينما، وإنتاجها الفني هو الأكثر غزارة، وتأثيرًا في الوطن العربي، هذا التوظيف الذي يُجلي لنا سبب اهتمام السياسيين بهذه الشريحة وتلميع أهلها.
بعد نكسة يونيو/حزيران 1967، حاول عبد الناصر احتواء الغضب الشعبي بحرق بعض أوراق النظام، كان منهم رئيس جهاز المخابرات صلاح نصر، في ما عرف بقضية انحراف المخابرات، وكان من جملة أوجه الفساد في ذلك الجهاز، هو فريق السيطرة الذي كان يضم عددا من أهل الفن، بغرض الحصول على معلومات من شخصيات بارزة على الصعيد المصري والعربي، كان أبرزهم الفنانة الشهيرة سعاد حسني، والفنانة شريفة ماهر، والفنانة برلنتي عبد الحميد وغيرهن. ورغم استفادة السلطة المصرية في حقب عبد الناصر والسادات ومبارك من أهل الفن في الترويج لسياساتها، وتحسين صورة مؤسساتها والنيل من خصومها، إلا أن هذه الاستفادة بلغت أوجها في عهد الانقلاب العسكري، الذي نفذه عبد الفتاح السيسي رئيس النظام المصري الحالي، فقد نجح النظام في تعبئة أهل الفن لتجييش الجماهير خلف القيادة السياسية، في حربها ضد الإسلام السياسي والتيارات المعارضة عمومًا. فأهل الفن هم عتاد السيسي وعدته، يظهرون في الاستحقاقات الانتخابية لدعم السلطة، وهم ضمن الوفود التي تسافر معه بهدف دعمه، أي أنهم يمثلون عصب ظهيره الشعبي.


استفاد السيسي من أهل الفن، من خلال الأعمال الدرامية، التي تلعب على وتر مواجهة الإرهاب، وهو الورقة التي يلوح بها رئيس النظام كثيرا للتعمية على فشله في إدارة الدولة. وكثيرا ما تتضمن الأعمال تلميعا للجيش والشرطة، اللذيْن هما أبرز مؤسساته الصلبة، التي يعتمد عليها في تثبيت أركان عرشه، خاصة بعد الممارسات سيئة السمعة التي اشتُهِرت بها المؤسستان في عهده. وتابعنا الفترة السابقة الحراك الذي قام به الفنان والمقاول المصري محمد علي ضد النظام، ودعوته الشارع المصري للنزول، حينها تم الاعتماد على العديد من الفنانين والفنانات، لتثبيط الناس وتخذيلهم والتواصي بعدم الاستجابة لدعوات التظاهر، وإذا صحت التسريبات الصوتية، التي تضمنت مكالمة هاتفية بين ضابط مخابرات مصري ورموز من الإعلاميين والفنانين – منهم الفنانة يسرا- فهو تأكيدٌ على الدور الذي يلعبه أهل الفن في تمرير سياسات النظام. ولن يفوت أي متابع للشأن المصري استحضار موقف السلطة من كل الفنانين المعارضين للنظام، إذ يتم العمل للقضاء عليهم فنيًا، ودفعهم للسفر حفاظا على حياتهم وسلامتهم، كالفنان عمرو واكد، والفنان خالد أبو النجا، وغيرهما، فهؤلاء مغضوب عليهم من القيادة السياسية، ويقوم معظم زملائهم في المهنة بتشويههم والحطّ منهم أمام المشاهدين.
ومن أجل الاستفادة منهم واستغلال تأثيرهم على الجماهير، يتم وضع أهل الفن في هذه المواقع ويتم تقريبهم من السلطة وتلميعهم في أعين الشعوب.


وإنني لم أعن بهذه السطور الهجوم على أهل الفن، ولا أنظر إليهم بمنطق التعميم في شأن التجنيد، فليس هؤلاء هم قضيتي، وهناك منهم من يقدم فنًّا هادفا يستحق الإشادة به لا شك، لكن قضيتي هي الأنظمة التي استغلت هذا الوسط لتمرير سياساتها وتوجيه الرأي العام تبعا لمصالحها، ولو كان ذلك على حساب البنية الأخلاقية واللُّحمة المجتمعية، ولو بطريق تغييب الوعي وتلويث الثقافة الرصينة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ردًا على ادعاءات ماكرون: حقيقة “الاحتلال” العثماني المزعوم للجزائر

– الأخوان بربروس (عروج وخير الدين) كانا يمثلان الوجود العثماني في الجزائر بشكل غير مباشر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *