الرئيسية / مقالات / إنها شفاعة العلم لصاحبه

إنها شفاعة العلم لصاحبه

‎لما استقر أمر أسارى غزوة بدر على رأي الصِديق في إطلاق سراحهم مقابل دفع فدية، قبلها منهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأما من عجز منهم عنها، دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم عشرة من صبيان المدينة يعلمهم القراءة والكتابة، فإذا حذقوا فيها أطلق سراحه.
‎إنها شفاعة العلم لصاحبه، وكم من علماء بذلوا علمهم للبشرية فخلدهم التاريخ، وطاب ذكرهم بين الأنام حتى لو كان أهل العلم هؤلاء من غير أمة الإسلام.
‎الاهتمام بالتعليم هو ألف باء نهضة، وما من تجربة نهضوية إلا وكان الاهتمام بالتعليم من أبرز دعائمها إن لم يكن أبرزها، فالتجربة الماليزية التي قادها مهاتير محمد كانت أبرز مثال على ذلك، حيث فاقت ميزانية التعليم ميزانية الجيش، وجزء من هذا الاهتمام ينصب على المعلم، من حيث تطويره وتأهيله، وتحسين حالته المعيشية حتى يتفرغ للعملية التعليمية التي يمكن لها أن تغير وجه الحياة في بلاده على المدى البعيد.
‎فالثمرة التي تجنيها البلاد جراء الاهتمام بالتعليم والمعلم أكثر بكثير من تكلفة إعداد المعلم وتأهيله وتوفير حياة كريمة له، وكما جاء في كتاب “كليلة ودمنة”: “ليس المعلم للخير بأسعد من متعلمه منه”.
‎ربما كانت هذه المقدمة الطويلة مناسبة للدخول إلى أوضاع المعلمين في الأردن، خاصة بعد دخولهم في إضراب عام، أحدث شللًا في الحياة التعليمية، وذلك بسبب مطالبهم بالعلاوة 50% المستحقة لهم منذ سنوات.
‎نعم، لا ننكر أن عددًا ليس هينًا من المعلمين مقصرون في واجباتهم، وينصب تركيزهم على الدروس الخصوصية، ولكثير منهم مهنٌ أخرى غير التعليم يمارسونها، لكن ما الذي ألجأهم إلى ذلك؟ أليس من أجل عدم اكتفائهم بسبب ضعف الرواتب؟ أليس راتب المعلم الذي يتقاضاه هو الأقل بين رواتب موظفي الدولة؟ أليست الغالبية العظمى من المعلمين الأردنيين تحت خطر الفقر؟ وكيف سيواجه المعلم ارتفاع الأسعار وشبح ضريبة المبيعات ونحوها مما يهدد دخله؟
‎على الحكومة الأردنية ألا تغفل كون هذا الإضراب وقضية المعلمين أصبحت قضية رأي عام، تحظى بإجماع شعبي، ويؤيدها خمسون حزبا سياسيا و 14 نقابة مهنية والعشرات من أعضاء البرلمان، ونال الإضراب تعاطف الشارع الأردني، خاصة وأن مطالبهم مشروعة ولم تستغل الوقفات الاحتجاجية في رفع شعارات سياسية، لكن استمرار الحكومة في عدم الاستجابة لتلك المطالب، ربما يوسع رقعة الاحتجاجات والإضرابات لتشمل قطاعات أخرى في الدولة تفتح الطريق إلى الفوضى.
‎نعم نقدر ما تمر به البلاد من أزمات اقتصادية، لكننا نتكلم عن الحياة التعليمية التي لابد وأن تكون على رأس أولويات الاهتمام.
‎وإن كانت الحكومة التي تقف في مواجهة الإضرابات تتخوف من تكرار مشاهد الاحتجاجات التي أطاحت بالحكومة السابقة والتي تصدرتها النقابات المهنية، فالأحرى أن يتم تجنب ذلك عن طريق الحوار الموضوعي بين الدولة في أعلى مستوياتها وبين النقابة شرط ألا تكون كسابقتها مجرد مماطلة لتهدئة الأوضاع وكسب الوقت، وإنما يتم وضع حلول وسط ترتضيها كافة الأطراف وفق جدول زمني لحل المشكلة وصياغته في صورة قرارات حكومية معلنة.
‎وفي الوقت نفسه، أهيب بالمعلمين ألا يتجاوزوا الحالة السلمية إلى أحداث فوضوية، وأن يحذروا من وجود مندسين بينهم يرغبون في التصعيد وإنهاء الحالة السلمية للإضراب، وفي الوقت نفسه لابد وأن يكونوا أكثر مرونة في تقبل أية حلول وسط تنبثق عن تفاهمات محتملة بين النقابة والحكومة، نسأل الله أن يحفظ أردننا من كل سوء، وأن يُطهر القصر الحاكم من مستشاري السوء وَجَوْقة التطبيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

#مع_المعلم
#اضراب_المعلمين
#اعتصام_المعلمين

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هكذا استفادت إيران من دعمها المقاومة الفلسطينية

في كتابه «الصحيح من سيرة الرسول الأعظم» خلص العالم الشيعي المقرب من القيادة الإيرانية مرتضى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *