انحياز الدراما للسلطة… مصر أنموذجا

يقولون في المثل الصيني: «قل لي وسوف أنسى، أرني وربما أتذكر، أشركني وسوف أحفظ»، تلك المشارَكة هي ما تنبني عليه الأعمال الدرامية، التي تُعتبر آلة توجيه وتشكيل لوعي الجماهير بصورة تراكمية، إذ تستحوذ على مساحة واسعة من اهتمامهم.
تمثل الدراما بأشكالها، سواءً كانت أفلامًا أو مسلسلات أو مسرحيات، مكانة بالغة في حياة الشعوب، لكونها نابعة من حقيقة أن الإنسان جُبل على المحاكاة، الأمر الذي يعني انسجام اتجاهاته النفسية مع الأعمال الدرامية، التي تتمثل في الحكاية المروية بالمحاكاة، عن طريق الإيحاءات النفسية والحركة والأفعال ولغة البدن.
تلك المحاكاة التي بنيت عليها الدراما، برزت في قصة قابيل وهابيل، التي وردت في القرآن الكريم، وتوضّح ميل الإنسان الفطري لها، فعندما قتل الأخ أخاه ولم يدر ما يصنع بجثمانه، بعث الله غرابا يبحث في الأرض وينبشها، لكي يواري الغراب المقتول، فقام قابيل بمحاكاة فعل الغراب القاتل ودفن أخاه على هذا النحو. فالدراما تُشرك المشاهد في السياق، حيث تخاطب حواسه وتستثير عاطفته، فيشعر بأنه جزء من الأحداث، ويعيش الوقائع، وتتقلب مشاعره بين الحزن والفرح، والغضب والرضا، ويكاد ينسى أنه عمل غير حقيقي. وهناك ارتباط قوي بين الدراما والسلطة، ولنا أن نعلم أن هناك عدة نظريات تخضع لها العلاقة بين الطرفين، على اعتبار الأعمال الدرامية جزءًا من الإعلام بصفة عامة.
*فأولها: النظرية السلطوية، ومصدرها فلسفة السلطة المطلقة للحاكم أو لحكومته أو لكيلهما معا، وتكون مهمة الإعلام في ظل تلك النظرية هي حماية وتوطيد سياسة الحكومة القابضة على زمام الأمور، وتركز فلسفة هذه النظرية على أن الدولة تحل محل الفرد، ويجب على وسائل الإعلام أن تخدم سياسات الحكومة وتعبر عنها وتروج لها.
*والثانية: النظرية الليبرالية، وهي تقوم على مبادئ تُناقض نظرية السلطة، حيث يتحرر الإعلام من سيطرة الحكومة، ويقوم على حرية الفكر والتعددية والنقد، كما هو الحال في الإعلام الأمريكي.
*والثالثة: نظرية المسؤولية الاجتماعية، بحيث يجب أن تنفذ وسائل الأعلام التزامات معينة تجاه المجتمع، وتجنب كل ما يؤدي إلى الجريمة والفوضى الاجتماعية، وتعكس تنوع وتعدد الآراء.
وإضافة إلى ما سبق فإن هناك أيضا النظرية الشيوعية، ونظرية المسؤولية العالمية والدولية، بجانب النظرية التنموية، ونظرية المشاركة الديمقراطية.

الملاحظ في الدراما في الوطن العربي خضوعها للنظرية السلطوية، فهي السائدة، حيث تعبر غالبا عن سياسة الدولة وتروج لها، فلا تكاد الأعمال الدرامية العربية تخرج عن مراقبة النظام، الذي يمنع ما يتعارض منها مع سياساته، وإذا تناولنا الدراما المصرية كنموذج باعتبار مصر رائدًا في ذلك المجال، فنجد أن أحد وزراء الداخلية المصرية وهو شعراوي جمعة، منع عرض فيلم أُنتج عام 1968 بعنوان «يوميات نائب في الأرياف»، بدعوى أنه يسيء لشخصه وللجهاز التابع له، وظل فترة ممنوعًا من العرض حتى تم السماح به. الأمر نفسه حدث مع فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» وفيلم «الكرنك»، وكلها تتناول الممارسات القمعية للداخلية، وتم عرضها بعد فترة من المنع.
خضوع الدراما العربية للسلطة، جعلها تساير الحكومات لتبرير وإقرار وترويج سياستها، خاصة في الخطوط محل الاتفاق مع التوجهات الأمريكية، فعلى سبيل المثال:
التوجهات الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول تدعم النموذج الصوفي القبوري المبني على الخرافة، لأنه فكر انسحابي لا يتطرق للواقع السياسي، ويتقوقع داخل دائرة أداء طقوس تتعلق أكثر ما تتعلق بالأولياء والكرامات، ووصفته بأنه تيار معتدل يجب دعمه، وأوصت بذلك المراكزُ البحثية التي تخدم صُناع القرار كمؤسسة راند وكارنيجي ونيكسون وغيرها، ولذا لم يكن أمرًا مثيرًا للدهشة أن يدعم الجيشُ الأمريكي لدى غزو أفغانستان ترميمَ وإنشاء الأضرحة والمزارات من ميزانيته. لذلك كانت الدراما العربية منذ هذا الوقت تُولي للتصوف والكرامات اهتمامًا بالغًا، وقد شاهدت بنفسي بعض المسلسلات المصرية التي تروج لهذا الفكر، على سبيل المثال، مسلسل «خلف الله» للفنان الراحل نور الشريف، الذي بدا في المسلسل كأنه صاحب عصًا سحرية، يتحكم في مسار الأحداث بكراماته المتتالية، مع أن الثابت في الشريعة، أن الكرامة لا لسلطان لصاحبها عليها، وليست أمرًا يُستدعى، وإنما محض هبة من الله تثبيتا للعبد.
ومما تناغمت فيه الدراما العربية والمصرية خاصة مع توجهات الأنظمة، مواجهة الإسلاميين وإلباسهم عباءة الإرهاب والتطرف حتى المعتدلين منهم، فنجد أنماطًا وقوالب متعددة للإسلاميين أظهرتهم بها الدراما المصرية خاصة، فمنها: نمط الإرهابي الذي يتعامل بالرصاص مع مخالفيه، ويستبيح أموال ودماء غير المسلمين. نمط الملتزم هروبًا فقط من الواقع، حيث صورت الدراما بعض المنتمين للتيار الإسلامي على أنهم اتجهوا تحت ضغط الفقر والبطالة والظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة إلى التدين. نمط العاجز الذي لا يملك أي حلول عملية للناس، وأن كل إجاباته عن أزمات الناس: «اتقوا الله» من دون النظر إلى الأخذ بالأسباب.. نمط من يتخذ من الدين سلمًا للوصول إلى النفوذ والثراء. نمط الازدواجي المتناقض، الذي يحرص على الشعائر الظاهرة، وهو أسوأ ما يكون خُلقًا. نمط الشهواني زير النساء..
لقد استغلت الدراما المنحازة للسلطة عينات ونماذج واتجاهات متطرفة، وطرحتها باعتبارها تمثل كل الإسلاميين المعتدل منهم والمتطرف، فاتبعت منطق التعميم، ففي النموذج المصري الذي نتناوله، جعلت كل الإسلاميين عبارة عن امتداد لجماعة التكفير والهجرة، التي نشأت في مصر، ولم يكن لها انتشار، نظرًا لقيام الفصائل المعتدلة بمواجهة هذا الفكر المتطرف، وبالغت في إبراز السوء الذي لا تخلو منه جماعة، لتضخمه وتبعده عن حجمه الحقيقي، وتعدت إلى حد اختلاق الأكاذيب والفِرى التي يدحضها الواقع، إضافة إلى أنها لم تطرح تلك النماذج كمشكلات مجتمعية تحتاج إلى دراسة وتحليل وتحديد سبل المواجهة، وإنما دارت تلك الأعمال الدرامية على الانتقاص من التيار الإسلامي، وتعبئة مشاعر الجماهير ضده.
والملاحظ منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 في مصر، أن الأعمال الدرامية صارت مبنية على دعم الجيش والشرطة، وتعمل على تحسين الصورة الذهنية عنهما لدى الناس، وبصورة فجة لا تخطئها عينٌ ناقدة أو بصيرة، وما ذلك إلا لمعرفة النظام بمدى تأثير الدراما في توجيه الجماهير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

نشر وثائق إبستين… هل كان الدافع أخلاقيا أم سياسيا؟

لا تزال تداعيات فضيحة وثائق جيفري إبستين تتعاظم يوما بعد يوم، ككرة الثلج، وكل وقت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *