حلف الفُضول..شوكة في حلقوم الروس والفرس

في زمن ساد فيه الظلم، وغلب فيه منطق القوة وشريعة الغاب، كانت هناك نقطة مضيئة في دار “ابن جدعان” بمكة المكرمة، إذ التقى بعض الشرفاء على قيم العدل ونصرة الضعيف والمظلوم.

أحد الذين شهدوا تكوين هذا الحلف، كان حدثٌ يافعٌ، امتلأ قلبه تقديرا وإعجابا بهذا الخطوة غير المعهودة، هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن يُبعث بالرسالة، ليظل أبد حياته مقدرا لهذا الحلف، ما حدا به إلى أن يقول: (شهدت غلاما مع عمومتي حلف المطيبين فما يسرني أن لي حمر النعم و أني أنكثه).

وكعادتي في النظر إلى نصف الكوب الممتلئ، والبحث عن جذوة للأمل في غير إسراف في الأحلام الوردية، رأيت في التحالف السعودي القطري التركي بريق الأمل الذي أنشده لأمتي، قل ما تشاء وانتقد كما تشاء هذه الدول، غير أنك لن تنكر ولو من خلف أسوار قلبك، أنهم شرفاء في زمن عز فيه الشرف.

في الوقت الذي أصبحت فيه سوريا مسرحا لحرب إقليمية متعددة الأطراف، بحث الروس عن موطئ قدم فيها، للوصول إلى المياه الدفيئة في المنطقة، وإنقاذ الحليف السوري (الأسد) بعد أن أخفقت إيران وأذنابها في وقف انتصارات كتائب الثوار.

فانطلقت الطائرات الروسية بمباركة الكنيسة، تبحث عن المجد السوفييتي القديم في سوريا، بذريعة محاربة تنظيم داعش، إلا أنه بات واضحا أن الهجمات إنما يقصد بها المعارضة التي تزحف نحو الأسد، فيما يبدو أنه تنسيق وتبادل للأدوار بين الروس والأمريكان في المنطقة.

تسعى موسكو لتكون الفاعل الأول والمؤثر الأقوى في سير الأزمة السورية، وتتبنى – إضافة إلى العمليات العسكرية –رعاية المفاوضات مع الأطراف المعارضة لبقاء الأسد.

إزاء التخلي الأمريكي الواضح عن قضايا المنطقة، وفي ظل الصمت العربي المطبق، وفي الوقت الذي انحازت دول عربية إلى الحلف الروسي الإيراني، تقف دول السعودية وقطر وتركيا حجر عثرة أمام الهيمنة الروسية والإيرانية في المنطقة.

حدّثني عن العلاقات الاقتصادية بين تلك الدول وبين روسيا وإيران، لكنها ليست مبررا للتخوين والتنقص، فهذه الدول لا تملك عصا سحرية لتغيير الأوضاع وقلب الموازين، ولم تصل أمتنا بعد إلى الوحدة والقوة لكي تقطع علاقاتها بالكامل مع أعدائها وتضيق على نفسها الخناق، فشيء من الواقعية يا قوم.

وحدّثني أكثر عن حسابات المصالح الخاصة لتلك الدول في ذلك التحالف السني، ولكن ما المانع أن تحرص هذه الدول على التوازن بين المصالح الخاصة والعامة، فهل هذا مبرر للتخوين والتنقص؟ استقيموا يرحمكم الله.

الثلاثي الشريف يتحرك على الأرض وحده دون دعم ورعاية خارجية لأول مرة، وبفاعلية وقوة وتأثير على مسرح الأحداث.

السعودية وقطر وتركيا قد اتحدت كلمتها في التعاطي مع الملفات والأزمات القائمة في المنطقة وعلى رأسها الأزمة السورية، التي بات موقف هذه الدول منها واضحا، فهي ترى الحل السياسي نعم لإنقاذ ما تبقى من سوريا الحبيبة، لكنها لا تستجيب لخداعات “دي ميستورا” في إدراج الأسد بأي حل سياسي اتفاقا مع الرغبة الروسية الإيرانية، وتصر على استبعاده، ليقينها أن أزمة سوريا لا يمكن حلها في ظل بقاء ذلك السفاح، وهو ما أكدت عليه العديد من دول أوروبا.

وزير الخارجية السعودية عادل الجبير لا زال يوجه الضربات للتحالف الروسي الإيراني الأسدي، يصفع الروس بعد لقاء فيينا الرباعي ويؤكد أن الخلاف معها حول رحيل الأسد قائما.

وينتقد الروس في ضرورة المشاركة الإيرانية في أي مفاوضات حول سوريا، ويؤكد أن إيران هي جزء من المشكلة، ما حدا بالمتحدثة باسم الخارجية الإيرانية “مرضية أفخم” إلى أن تخرج عن شعورها وتصف تصريحات الجبير بـ “السخيفة”.

وبعد التدخل الروسي السافر في سوريا، صرح الرجل القطري القوي خالد العطية لمحطة سي إن إن، ودون مواربة أن بلاده تدعم المعارضة في سوريا ضد الأسد وحلفائه.

بل ذهب وزير الخارجية القطري إلى أبعد من ذلك، حيث قالها مدوية في تصريحه: ” إذا كان التدخل العسكري سيحمي الشعب السوري من وحشية النظام فسنقوم به”.

هكذا يتحدث عن إمكانية التدخل العسكري لحل الأزمة السورية، في ظل تقاعس المجتمع الدولي، وبعد فترة طويلة من المطالبات القطرية بحل الأزمة سياسيا.

حديث العطية ليس ارتجاليا، فهو يتحدث عن الحوار من منطق القوة، ويستند إلى توافق سعودي قطري تركي يقف من وراء هذا التحول الإيجابي والجريء في السياسة الخارجية القطرية.

وأما تركيا التي تواجه عقبات التعثر السياسي وضربات الإرهاب في الداخل، وتواجه على الصعيد الخارجي عرقلة مساعيها لإقامة منطقة عازلة في الشمال السوري بعد تدخل موسكو، فلا زالت تصر وبقوة على استبعاد الأسد.

وبالتوازي مع ذلك، تواجه تركيا هذا التحالف الروسي الإيراني، بتعزيز التعاون والتنسيق والتحالف مع السعودية وقطر، لمواجهة المشروعين الروسي والإيراني في المنطقة.

الزيارات المتتابعة للرموز السعودية والقطرية إلى تركيا في ظل الأزمات الراهنة، تبشر بتنامي قوة هذا التحالف المبارك.

 إحدى هذه البشارات كان التدريبات العسكرية التي أجرتها القوات المسلحة القطرية مع نظيرتها التركية منذ أيام تحت اسم “نصر 2015”.

والحديث الآن انتقل إلى طور مباحثة التدخل العسكري القطري السعودي التركي في سوريا، والذي يترتب عليه وقف المشروعين الإيراني والروسي في المنطقة.

الصراع بات واضحة معالمه، والعرب يتجهون رويدا إلى الانحياز إلى أحد الفسطاطين، إما إلى التحالف القطري السعودي التركي، أو إلى التحالف الروسي الإيراني الأسدي، ولن يكون هناك مجال للوقوف على الحياد لأي دولة من الدول العربية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

التاريخ لا يتغير فقط حين تسقط الدول، بل حين تُفتح الأبواب التي كانت مغلقة خلفها.

أحد الإخوة أرسل مقطعا يتحدث عن سيناريوهات انهيار إيران أو تغيير النظام فيها، وما قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *