لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو معركة، بل حين تخسر روايتها عن نفسها….

فالدول لا تعيش بالجغرافيا وحدها… بل تعيش بالقصة التي تفسر وجودها.

لماذا وُجدت؟
وماذا تُمثل؟
ولماذا يستحق بقاؤها؟
وما الذي سيخسره العالم إن غابت؟
ولهذا فإن أخطر سؤال ينبغي أن يطرحه الأردني اليوم ليس:
كيف ندافع عن الأردن؟
بل:
من الذي يروي حكاية الأردن؟
لأن من يملك الرواية… يملك الوعي…. ومن يملك الوعي..
يقترب من امتلاك المستقبل….

عزيزي الأردنيّ الكريم :
انظر حولك… ستجد أن لكل طرف “أُردنّه” الخاص :
– الفلسطيني يقرأ الأردن من زاوية فلسطين.
– والمُحتلّ الصهيوني يقرأه من زاوية أمن كيانه الدموي.
– والإيراني يقرأه من زاوية مشروعه الإقليمي التوسُّعيّ الخبيث..
– والغربي يقرأه من زاوية مصالحه الاستراتيجية….
– والقومي العربي يقرأه من زاوية حلم الوحدة….
– والإسلامي يقرأه من زاوية مشروعه الفكري….
– واليساري يقرأه من زاوية الصراع مع الرأسمالية والتحالفات الدولية….

كل هؤلاء لديهم رواية عن الأردن….
لكن السؤال المؤلم هو: أين الرواية الأردنية؟!
ليس الرواية الرسمية…
ولا الرواية الحزبية…
ولا رواية المعارضة..
ولا رُواية المُوالاة ….
بل الرواية التي يستطيع الأردني، مهما اختلف مع حكومته أو مع سياسات دولته، أن يقول من خلالها:
هذا هو الأردن كما أفهمه أنا… !

*أخطر أنواع الاحتلال… هو أن يحتل الآخر تفسيرك لنفسك….
حين تصبح ترى تاريخك بعينيه….
وتقرأ وطنك بلغته أو بلكنتِه….
وتردد مصطلحاته هو .. بل ونشيده هو .. ونظرته الدُونية لك …
وتستخدم ذات أسئلته الملغومة عنك…
ثم تظن أنك تمارس التفكير الحر !

ولهذا فإن الاحتلال الفكري أخطر من الاحتلال العسكري….
لأن العسكري قد يخرج من الأرض…
أما الفكري فقد يبقى في العقول أجيالا…

ولهذا قال ابن خلدون:
“المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب….”

وكثيرون يظنون أن ابن خلدون كان يتحدث عن اللباس والعادات.
لكن المعنى أعمق…. فأول ما يقلده المغلوب :

– هو تفسير الغالِب للعالم….
– ثم تفسير الغالب له هو شخصيا ….
وحين يحدث ذلك…

= لا يعود يحتاج الغالب إلى إقناعك… لأنك أصبحت تقوم بالمهمة نيابة عنه.

* من أعظم ما يلفت النظر في القرآن الكريم…
أنه لم ينزل كتاب أحكام فقط….
بل أعاد كتابة التاريخ….
فلو ترك الله قصة موسى لفرعون… لكان فرعون هو بطلها الشهم النبيل !
ولو ترك قصة إبراهيم للنمرود… لكان النمرود هو صانع الرواية …
ولو ترك قصة يوسف لوزراء مصر… لكانت رواية أخرى تماما….

لكن القرآن الكريم أعاد سرد التاريخ… من منظور الحق.
لم ينكر الوقائع… بل أعاد تفسيرها.

ولهذا امتلأ القرآن بعبارة:
“نحن نقصّ عليك…”

وكأن الرسالة تقول:
ليس المهم أن تعرف ماذا حدث…
بل من الذي يروي ما حدث….
وهذه سنة حضارية قبل أن تكون سنة دينية….
فمن يكتب الرواية… لا يكتب الماضي فقط…
بل يوجّه المستقبل….
===
طيب….
لماذا لم يكتب الأردنيون قصتهم؟

– لأنهم افترضوا أن الجميع يعرفها….. وهذه من أكبر أخطاء الأمم.
لا أحد يعرف قصتك كما تتخيل….
العالم لا يرى ما تراه أنت…. بل يرى ما يقدَّم له.
ولهذا فإن فراغ السردية لا يبقى فراغا….
إذا لم تملأه أنت… سيملؤه غيرك.
والناس بطبيعتهم يميلون إلى القصة البسيطة.
حتى لو كانت ناقصة…..

بل إن الكذبة المُحكمة قد تنتصر أحيانا على الحقيقة…
إذا كانت الحقيقة مبعثرة….
ولهذا لا يكفي أن تكون على حق….
بل يجب أن تحسن رواية حقك….

قد يظن البعض أنني أدعو إلى صناعة دعاية للأردن….
وهذا خطأ….
– الدعاية قد تكذب…. أما السردية الوطنية… فتُفسر….
– الدعاية قد تخفي العيوب…. أما السردية الناضجة…
فتضعها في سياقها….
– الدعاية تُصوّر أو تجعل الوطن كاملا … أما السردية…
فتجعل الوطن إنسانيا ..
فيه نجاحات…. وفيه أخطاء.
فيه انتصارات…. وفيه إخفاقات….

لكنها ترفض أن يُختزل وطن كامل في خطأ…
كما ترفض أن يتحول الإنجاز العاديّ إلى أسطورة….
فالصدق هو أساس كل سردية قابلة للبقاء….
==
من يروي حكاية الأردن؟!
– ليس الحكومة وحدها…. ولا وزارة الإعلام.
ولا التلفزيون الرسمي…. ولا المؤرّخ السبعيني.
ولا الكاتب المشهور …
بل الجميع….

الأم التي تُعلِّم طفلها معنى الوطن….
والمعلم الذي يشرح التاريخ دون تزوير….
والروائي الذي يمنح المكان روحا….
ورجل الأعمال الذي يبني لا ليربح فقط، بل ليُضيف قيمة لأبناء قومه ومجتمعه.
والجندي الذي يحرس الحدود….
والطبيب الذي يخدم الناس….
والطالب الذي يُمثّل بلده في الخارج….
كل هؤلاء يكتبون السردية…….حتى لو لم يُتقنوا النحو وقواعد الإملاء وحتى لو لم يكتبوا مقالة واحدة ..

ولهذا فإن السردية الوطنية ليست مشروع حكومة.
إنها مشروع أمة….

لا نريد أن نجعل الأردن أفضل من حقيقته.
ولا أن نُصغره حتى يرضى الآخرون….
نريد فقط أن يُروى الأردن…
كما هو…. بتاريخه…. وأخطائه… وإنجازاته…. وتعقيداته….
وأثمانه…. وخياراته……وسياقه…..

فمن الظلم أن يُختزل وطن عمره أكثر من قرن، وشعبه، ومؤسساته، وتضحياته، وتجربته، في توصيف أطلقه خصم أو حالِم يعيش في كهوف اللا مُمكن…
من الظلم أن يُختزل وطنُكَ أو أن تسمح لأحد أن يختزله في شعار سياسي، أو في تغريدة، أو في مقطع فيديو لا يتجاوز دقيقة.

لقد آن للأردني أن يتوقف عن الدفاع داخل روايات الآخرين…..
وأن يبدأ أخيرا بكتابة روايته هو…. لأن الدولة التي لا تكتب نفسها…
لن تبقى بلا قصة…. بل سيكتبها الآخرون.
وحينها…
لن يكون السؤال:
هل كانوا منصفين؟
بل:
لماذا تركنا لهم القلم أصلا؟!

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

المعجزة ليست لحظة… بل اختيارات صغيرة

أما قبل: قد يجد بعضكم هذه المقالة طويلة، لكنها في الحقيقة ليست مقالة، بل المسودة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *