لماذا يخجل بعض الأردنيين من الاعتزاز بالأردن… بينما لا يخجلون من الاعتزاز بدول أخرى؟

– في الأردن، يكفي أحيانا أن تقول “إن هذا البلد يستحق الاعتزاز”، حتى يخرج لك من يسألك: كم دفعوا لك؟ ما تفاصيل الصفقة التي حدثت بينك وبين الجهات الأمنية؟ هل سنراك وزيرا عما قريب؟!

وإذا قلت إن مؤسسات الدولة أخطأت، خرج لك آخر ليسألك: أي أجندة تخدم وعند من تعمل؟!

وهكذا حُشِر الأردني بين تهمتين جاهزتين:

– إن أحب وطنه فهو مطبل، وإن انتقده فهو خائن…

وكأن الإنسان لا يستطيع أن يحب بيته إلا إذا أنكر تشققات جدرانه،

ولا يستطيع أن يصلح التشققات إلا بعد أن يعلن كراهيته للبيت.

هذه ليست وطنية، وتلك ليست معارضة….

إنها أزمة في اللغة التي نفكر بها في الأردن….

فبين وطني يبالغ حتى يجعل الأردن “جنة” لا يشكو فيها أحد، وبين غاضب يبالغ حتى يجعله مؤامرة جغرافية لم تنتج طوال قرن شيئا يستحق البقاء… تضيع الدولة الحقيقية:

– دولة لها إنجازات لا يجوز إنكارها، وإخفاقات لا يجوز تزيينها، وشعب يحق له أن يفتخر بما صنع، وأن يغضب مما أُفسِد، من غير أن يُطلب منه في كل مرة إثبات براءته….

==

أسهل طريقة لإسقاط الخطاب الوطني المبالغ فيه أن نسمي أصحابه مُطبلين وننتهي.

لكن هذا كسل فكري…..

فكثير مما يقوله هؤلاء ليس مُختَلَقا من أساسه؛ بل يبدأ من حقائق، ثم يفسدها هو ( الله يصلحه) بالمبالغة…!

حين يقولون إن الأردن حافظ على تماسك الدولة في محيط شهد انهيارات وحروبا أهلية، فهم لا يخترعون واقعة….

وحين يتحدثون عن مؤسسات عسكرية وأمنية متماسكة، وعن خبرات أردنية في الطب والتعليم والإدارة، وعن مجتمع استقبل موجات بشرية متتابعة، فهم يشيرون إلى عناصر حقيقية في التجربة الأردنية….

حتى الدراسات النقدية للأردن تُقِرّ بأن أعباء الهجرة واللجوء ضغطت بشدة على التعليم والخدمات والأمن والعقد الاجتماعي.

وحين يكرر الخطاب الوطني أن الأردن مجتمع متنوع حافظ على وحدته، فهذا جزء من التعريف الرسمي للدولة، التي تقدم نفسها بوصفها مجتمعا انصهرت فيه مكونات دينية ولغوية وإثنية متعددة.

بل حتى العبارات العاطفية من نوع: “أينما وُجِدَ الأردني أنجز وأبدع ” …

ليست خالية تماما من أصل واقعي؛ فالأردنيون فعلًا حاضرون بكثافة في قطاعات الطب والهندسة والتعليم في دول المنطقة….

المشكلة تبدأ حين تتحول الملاحظة إلى قانون كوني، ويصبح كل أردني عبقريا بحكم الجنسية، وكل مؤسسة ناجحة لأنها أردنية، وكل مسؤول مُصيبا لأن نقده “يشوه صورة الوطن” ولأن انتقاده يعني انتقاد من اختاره وزيرا او رئيسا للوزراء…وبالتالي انتقاد المسؤول الفاسد الذي عيّنه الملك هو كراهية للملك نفسه!!

ونرى نموذجا لهذا الخطاب في مقالات ترفع الإنسان الأردني إلى صورة مثالية مطلقة، وتصف تميزه في جميع المجالات بلا تمييز بين الاعتزاز المشروع والتعميم الإنشائي….

وعليه … دعوني أعترف :المُطبّل الذي تعتبرونه يُمارس التطبيل هو لا يكذب دائما.

إنه أخطر من الكاذب الصريح أحيانا: يأخذ حقيقة، وينزع عنها حدودها، ثم يضعها في خدمة الأشخاص بدل الدولة….

يبدأ من قول صحيح: الأردن صمد….

ثم يقفز إلى نتيجة فاسدة: إذن كل ما جرى فيه كان صوابا.

يبدأ من حقيقة أن الجيش محل احترام واسع، ثم يستخدم الجيش لحماية مسؤول مدني من المساءلة….

يبدأ من قيمة الاستقرار، ثم يجعل الاستقرار ذريعة لتأجيل العدالة إلى أجل غير معلوم….

ويبدأ من محبة الوطن، ثم يطالب المواطن بأن يحب الحكومة بالطريقة نفسها، مع أن الحكومات عابرة، والوطن باق…

بل إن بعض الدفاع عن الأردن يصبح مُؤذيا له حين يلجأ إلى التخوين…

ففي مثال منشور للدفاع عن الأردن ضد وصف “الدولة الوظيفية”، لم يكتفِ الكاتب بمناقشة المصطلح وتفنيده، بل انتهى إلى اعتبار مُردديه عملاء وخونة.

هنا لا تعود الوطنية حجة، بل تصبح محكمة تفتيش؛ ويُمنح الخصم انتصارا مجانيا، لأنه يستطيع أن يقول إن المدافعين عن الدولة لا يملكون جوابا سوى إسكات السائل…

الوطنية التي تحتاج إلى إغلاق فم المواطن،،، هي وطنية هشة….

والسردية التي تنهار أمام سؤال،،، ليست سردية؛ إنها تعليمات استخدام.

==

في الجهة المقابلة، ليس كل ناقد للأردن كارها له….

هناك من يتحدث عن البطالة، والغلاء، والمديونية، وضعف الفرص، والواسطة، وتراجع الثقة، وضيق المجال العام….

وهذه ليست أوهاما اخترعها خصوم الدولة الأردنية ..

حتى النقاشات النيابية والصحافة المحلية طالبت مرارا بمعالجة الفقر والبطالة والأسعار والفساد وسوء توزيع التنمية، كما أن تحليلات اقتصادية دولية رصدت اختلال سوق العمل وهجرة الكفاءات وضغط اللاجئين على الاقتصاد والخدمات.

كما أن القلق على حرية التعبير ليس مؤامرة خارجية دائما؛ فقد أثار قانون الجرائم الإلكترونية انتقادات حقوقية وسياسية بسبب آثاره المحتملة على المشاركة العامة والحقوق الرقمية.

هذه قضايا حقيقية، وإنكارها لا يحمي الأردن، بل يحول الغاضب من مواطن يريد الإصلاح إلى إنسان يظن أن الوطن لا يسمعه.

لكن الكراهية تبدأ حين لا يعود النقد مُتعلقا بسياسة أو مؤسسة أو قانون، بل يتحول إلى حكم وجودي على البلد كله.

هنا يصبح الأردن عند بعضهم “كيانا وظيفيّا” لا تاريخ له إلا ما خدم به الغرب، ولا شعب فيه صنع دولة، ولا مؤسسة نشأت بتراكم محلي، ولا قرار اتخذ تحت ضغط جغرافيا معقدة….

وتوجد في الخطاب السياسي العربي مقالات كاملة تبني صورتها للأردن على فرضية الدولة التابعة للمركز الأميركي، فتقرأ تحركاته كلها تقريبا داخل هذا القالب وحده.

وفي حملات التواصل الاجتماعي لا يظل النقد عند حدود السياسة، بل ينحدر أحيانا إلى شتم الأردنيين أنفسهم بأوصاف عنصرية ومهينة، كما ظهر في منشورات مرتبطة بوسم ؛طريق العار البري”، حيث انتقل الغضب من ادّعاء سياسي قابل للتحقّق والنقد إلى إهانة جماعية لشعب كامل.

هنا لا نكون أمام معارضة يا قوم .. بل نكون أمام شيطنة.

-الناقد يقول: هذه السياسة أضرت بالأردن….

أما الكاره فيقول: الأردن نفسه ضرر….

– الناقد يقدم وثيقة ويمكن مناقشته….

أما الكاره فيقدم خاتمة جاهزة، ثم يبحث عن أي واقعة ليضعها تحتها…

– إن اتخذ الأردن موقفا واقعيا قال: تابع….

– وإن رفض مشروعا إقليميا قال: يؤدي وظيفة أخرى.

وإن استقبل اللاجئين قال: ينفذ مخططا ديمغرافيا.

وإن شدد حدوده قال: تخلى عن العروبة….

وإن حافظ على علاقاته الدولية قال: باع نفسه….

= أي أن الأردن مُذنب في جميع الحالات، لأن الحكم صدر قبل الأدلة…!

طيب … لماذا يصدق بعض الأردنيين الرواية الأقسى عن بلدهم؟

لأن القسوة تُشبه العمق أحيانا.

هناك نوع من المثقفين يظنون أن احتقار كل ما هو وطني دليل على التحرر من الدعاية، وأن أكثر التفسيرات سوداوية هي الأكثر فطنة وذكاء…

فإذا قلت إن دولة ما حققت إنجازا، اتهمك بالسذاجة؛

وإذا قلت إن كل شيء فيها زائف، بدا كلامك ثوريا وعميقا.

وهكذا صار بعض الأردنيين يخجلون من جملة بسيطة مثل: “أنا أعتز ببلدي”، خشية أن يُحسبوا على صف المنافقين….والمُطبّلين وهذا ما حدث معي شخصيا..

لكن الشخص نفسه قد يحتفل بإنتاج طائرة تُركية، أو بموقف سياسي تركي، أو بمسلسل يستعيد التاريخ العثماني، ويعيد نشر الأغاني والخطب والصور، من غير أن يشعر بأن عليه أن يرفق كل احتفال بقائمة عيوب تركيا….

ونحن لا نعترض على ذلك…. بل نفرح لأي نهضة حقيقية في تركيا، ونرى نجاحها مكسبا لشعب عزيز ولمنطقتنا…. أنا نفسي أكتب لكم اليوم من العاصمة السياسية التركية “أنقره” دون تمجيد لكُل ما هو تُركي … ولطالما كتبت عن الدولة التركية الحديثة والقديمة ولطالما فرحت بكُل ما وصل إليه الأتراك في مرحلة حزب العدالة والتنمية..

ونعم استطاعت تركيا عبر قرن كامل أن تبني هوية وطنية شديدة الحضور، وأن تجعل تاريخها وصناعتها وجيشها وصراعاتها جزءا من قصة يعرفها مواطنوها ويصدرونها إلى الخارج، وإن اختلف الأتراك أنفسهم بحدة على مضمون تلك القصة.

لكن لماذا يُسمح للعربي بأن يطير بأي إنجاز تركي، ثم يُطلب من الأردني أن يعتذر قبل أن يذكر إنجازا أردنيا؟

لماذا يصبح الإعجاب بالقومية التركية وعيا بالتاريخ، ويصبح الحديث عن الهوية الأردنية “وطنية ضيقة” وقُطرية مقيتة وعبودية لسايكس بيكو؟

لماذا تحفظ أجيال عربية أسماء قادة ومعارك ومصانع تركية، ثم لا تعرف شيئا عن تاريخ المدن والقبائل والمؤسسات والمعارك والتحولات الاجتماعية في الأردن؟

أكرر : ليس الخطأ في حب تركيا….

الخطأ أن يتحول الخارج إلى المكان الوحيد المسموح لنا بأن نحب فيه القوة والإنجاز والهوية، بينما يصبح حب الوطن القريب أمرا مُحرِجا.

كأن بعضنا يحتاج إلى مسافة جغرافية حتى يسمح لنفسه بالفخر.

للأسف واعذروني على هذا الرأي ..

لقد ساهمت السردية الرسمية في إنتاج هذا الخجل…

ولا يمكن أن نلوم الشباب وحدهم….

فجزء من المشكلة أن الخطاب الرسمي بالغ طويلا في تقديم الأردن بلغة مثالية: الوسطية، والمؤسسية، والديمقراطية، والأسرة الواحدة، والاستقرار…

وهي قيم مهمة، لكن تكرارها بصيغة واحدة، من غير إدخال تناقضات الواقع وآلام الناس في الرواية، جعلها تبدو عند كثيرين كعبارات بروتوكولية لا كخبرة معيشة….

ويظهر هذا القالب المثالي بوضوح في التعريفات الرسمية للأردن.

حين يسمع الشاب عن دولة الفرص، ثم يبحث سنوات عن فرصة، سيظن أن كل الخطاب الوطني كذب.

وحين يسمع أن المواطن أغلى ما نملك، ثم يشعر أن الواسطة أقوى من الكفاءة، لن يكره الواسطة وحدها؛ قد يشك في الرواية الوطنية كلها….

وهنا يرتكب الخطاب الرسمي خطأ فادحا:

– يترك الحقيقة الوطنية للمُطبّل، والواقع اليومي للخصم !

-الأول يحتكر الإنجاز ويمنع النقد.

– والثاني يحتكر الألم وينكر الإنجاز.

أما المواطن فلا يجد لغة تقول له إن الأمرين يمكن أن يكونا صحيحين معا:

-أن بلده أنجز أشياء مهمة، وأنه يستحق إدارة أفضل؛

-أن الدولة جديرة بالحماية، وأن بعض سياساتها جديرة بالتغيير؛

– أن الاستقرار قيمة، لكنه لا يُغني عن الكرامة؛

– وأن الإصلاح ليس مكافأة تمنحها السلطة، بل وسيلة بقاء للدولة.

==

كراهية الذات أسهل من مسؤولية الإصلاح …

حين تقول إن البلد كله فاسد ولا أمل فيه، فأنت تُعفي نفسك من كل مسؤولية.

لماذا تعمل إذا كان كل شيء محسوما؟

لماذا تنتخب أو تكتب أو تبني مشروعا أو تحمي مرفقا عاما إذا كان الوطن كله خدعة؟

العدمية مُريحة؛ لأنها تمنح صاحبها شعور الفهم من غير أن تطالبه بشيء.

أما الوطنية الناضجة فمُرهقة… بل مُرهقة جدا .. على الأقل لن تسلم من التشكيك بك على طول الخط.. وهذا أيضا ما يحدث معي..

الوطنية الصادقة تطلب منك أن تدافع عن بلدك حين يُظلم، وأن تعارض حكومته حين تظلم….

أن تمنع الخصم من تزوير تاريخك، وأن تمنع المسؤول من تزوير حاضرك.

أن تحافظ على الدولة، لكن لا تسمح لأحد بأن يجعل المحافظة عليها مُبررا لاحتكارها…..

وهذا هو الميزان الذي قرره القرآن في قوله تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾.

فالعدل لا يسمح لك أن تكذب لمصلحة من تحب، ولا أن تظلم من تكره.

ويقول سبحانه:

﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

أي إن شدة الخصومة لا تمنح الإنسان رخصة لتشويه الحقيقة.

وهذا ينطبق على الوطن: لا يجوز أن يُحولنا الحب إلى مداحين، ولا أن يحولنا الغضب إلى شهود زور….

** الوطنية ليست صورة الملك… والحُرية والنزاهة ليست في شتمه**

من أكبر الأخطاء اختزال الأردن في موقف الناس من الحاكم.

فبعض المُوالين يجعلون محبة الأردن مطابقة لمدح الملك والحكومة وكل قرار يصدر عنهما، وبعض المُعارضين يجعل إثبات الوعي مرهونا بإهانة كل رمز للدولة….

وفي الحالتين يُمحى الأردن.

* الأردن أوسع من السلطة، وأبقى من الحكومة، وأعمق من صورة متداولة على وسائل التواصل….

هو مجتمع وتاريخ ومؤسسات وجغرافيا وذاكرة ومصالح ومستقبل…

قد يختلف الأردني جذريا مع سياسة رسمية، ويبقى أكثر حرصا على البلد ممن يملأ صفحته بالأعلام….

وقد يُخلص شخص للنظام السياسي، لكنه يسيء إلى الوطن حين يبرر الفساد أو يخون الناس أو يحول المواطنة إلى شهادة ولاء يمنحها لمن يشاء.

المعيار ليس كثرة الشعارات…..

المعيار: ماذا تفعل بالدولة؟

هل تزيد الثقة بها أم تهدمها؟

هل تحمي المال العام أم تسرقه؟

هل تلجأ للواسطة والمحسوبية بمُبرر “الدنيا ماشية هون هيك” أم ستُحاربها ولو كانت ستخدمك؟!

هل تحترم المواطن أم تهينه؟

هل تقول الحقيقة أم تكتب ما يرضي صاحب النفوذ؟

قد يكون الرجل الذي ينتقد مشروعا فاشلا أكثر وطنية من الذي يُصفق له ويُجمّل أخطاءه.

وقد يكون الجندي الصامت، والمعلم المخلص، والطبيب الذي لم يترك مريضه، والعامل الذي لم يغش، أكثر خدمة للأردن من ألف خطاب حماسي….

==

طيب يا أخت إحسان … كيف نعتز بالأردن من غير أن نصبح مُطبلين؟

* أن نبدأ بالحقائق، لا بالنشوة….

-نقول إن الأردن حافظ على الدولة، لكننا لا نزعم أن كل مؤسساته ناجحة.

– نقول إن موقعه ودوره حَمّلاه أعباء كبيرة، لكننا لا نجعل الجغرافيا عذرا أبديا لسوء الإدارة….

– نقول إن له فضلًا في فلسطين واللجوء والأمن الإقليمي، لكننا لا نمنّ على المظلومين بما فعلناه.

– نعتز بالجيش من غير أن ندخله في الخصومات المدنية….

– نحترم التاريخ الهاشمي من غير أن نمحو تاريخ المجتمع الأردني السابق والموازي له….

– نحتفي بالعشائر من غير أن نُحوّلها إلى بديل عن القانون..

– نُحب الاستقرار من غير أن نستخدم كلمة الفوضى لإرهاب كل مطالب بالإصلاح.

*ونقول بوضوح إن الأردن ليس كاملا، لكنه ليس باطلا….

ليس أغنى الأوطان، لكنه بلدنا وبيوتنا وناسنا وحكاياتنا….

ليس مركز الكون، لكنه ليس هامشا في قصة غيره…..

ومن حق الأردني ألا يحب وطنه بصوت منخفض…

ملاحظة :

لا نطلب من الإخوة العرب أن يتوقفوا عن الفرح بتركيا….

بل نريد أن نفرح معهم….

ولا نريد أن ننافس وطنا بوطن، أو نبني الهوية الأردنية على الغيرة من الآخرين…

نريد فقط عدلا بسيطا:

كما يحق للتركي أن يروي تاريخه من منظوره، يحق للأردني أن يروي تاريخه.

وكما يحق للعربي أن يفرح بإنجاز تركي، يحق للأردني أن يفرح بإنجاز أردني من غير أن يقدم قبل ذلك اعتذارا فكريا.

وكما لا تُختزل تركيا في أخطائها، لا يجوز اختزال الأردن في سياساته المُختلف عليها.

نحن لا نستكثر على أحد أن يطير بوطنه، لكننا نرفض أن يُطلب من الأردني (تحديدا) أن يمشي منكّس الرأس حين يُذكر وطنه.

فالأردن لا يحتاج إلى وطنيين يخترعون له أمجادا لم تكُن، ولا إلى معارضين يختلقون له عارا دون بيّنات..

الأردن يحتاج إلى مواطنين يُنصفونه…

والإنصاف أرفع من التطبيل، وأشجع من الكراهية يا قوم ..

أن تقول عن وطنك الحقيقة كاملة: ما له وما عليه….

ثم تحبه لا لأنه بلا عيوب، بل لأنه البيت الذي لا يُصلح عيوبه إلا أبناؤه…

الوطنية ليست أن تقول إن الأردن بخير دائما….

وليست أن تتمنى سقوطه كي تثبت أنك كنت مُحايدا وجريئا ومُحِقّا..

الوطنية أن يكون سؤالك، في المديح والنقد معا:

هل تخدم كلمتي الأردن… أم تخدم صورتي أنا بوصفـي مُواليا أو مُعارضا ولي جمهور أُريد أن أحظى بتأييده وإعجابه؟!

فالوطن لا يُبنى بالمُطبِّلين، لأنهم يُجمِّلون جراحه حتى تتعفّن…

ولا بالكارهين، لأنهم يستهينون بكل خير فيه حتى ييأس أبناؤه منه…

إنما يُبنى بمن يُحبّه بما يكفي ليقول له وعنه الحقيقة،

ويقول الحقيقة بما يكفي ألا يظلمه….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

خارج قائمة الإرهاب…عوامل تحولات السياسة الأمريكية تجاه سوريا

حالة من البهجة والتفاؤل سادت الأوساط الرسمية والشعبية في سوريا، عقب إعلان أمريكي ببدء إجراءات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *