لماذا تحتاج الدول إلى “رواية” كما يحتاج الإنسان إلى هوية؟

– عندما يُطرح سؤال: ما الذي يحمي الدول؟

فإن الإجابة التي تتبادر إلى الذهن غالبا هي: الجيوش، والأسلحة، والاقتصاد، والتحالفات.

وهذه الإجابة صحيحة… لكنها ليست كاملة.

فالإنسان لا يعيش بجسده وحده، بل يعيش أيضًا بالصورة التي يحملها عن نفسه…

وإذا فقد هذه الصورة، فإنه قد يشعر بالخوف والاضطراب حتى لو كان آمنا داخل منزله…

والدول ليست مختلفة كثيرا عن البشر.

فهي أيضا تبني مع الزمن صورة عن نفسها، أو ما يمكن أن نسميه “روايتها الكبرى”. رواية تقول لشعبها وللعالم: من نحن؟ ولماذا وجدنا؟ وما الذي ندافع عنه؟ وما الدور الذي نؤديه في العالم؟

هذه الرواية ليست ترفا فكريا، بل أحد أعمدة الاستقرار السياسي.

ولهذا ظهرت في العقود الأخيرة مدرسة فكرية في العلاقات الدولية تتحدث عن مفهوم عميق يُعرف بـ “الأمن الأنطولوجي” (Ontological Security)، ومفاده أن الدول لا تخشى فقدان أراضيها فقط، بل قد تخشى أيضا فقدان هويتها، أو انهيار القصة التي عاشت عليها لعقود طويلة.

فالدولة التي اعتادت أن ترى نفسها قوة عظمى، قد تهتز إذا شعرت أن العالم لم يعد يعاملها كذلك…

والدولة التي بنت مكانتها على أنها حامية للسلام، قد تشعر بقلق عميق إذا بدأت الأحداث تشكك في هذا الدور.

والتحالف الذي نشأ على فكرة الدفاع عن قيم معينة، قد يشعر بأنه مهدد إذا تغير العالم بطريقة تجعله يتساءل عن سبب وجوده أصلًا.

وهنا تبدأ السياسة في التحول من إدارة للمصالح إلى دفاع عن الهوية.

ولعل أخطر ما في الأمر أن الدول، عندما تشعر بأن روايتها مهددة، لا تكتفي بإعادة تعريف نفسها، بل تعيد أيضًا تعريف خصومها.

فالخصم لا يصبح مجرد دولة تختلف معها في المصالح، بل يتحول إلى “الآخر” الذي يهدد طريقة حياتك، وقيمك، وذاكرتك، وصورتك عن نفسك.

ومن هنا نفهم لماذا تبدو بعض الصراعات أكبر بكثير من أسبابها المباشرة.

فقد يكون الخلاف في ظاهره حول حدود، أو بحر، أو ممر ملاحي، أو موارد طبيعية، بينما تكمن في أعماقه معركة على المعنى والهوية والرواية.

ولهذا فإن كثيرا من الحروب لا تبدأ عندما يُطلق أول صاروخ، بل عندما تبدأ إحدى الدول بالاعتقاد أن قصتها عن نفسها لم تعد مقنعة، أو أن هناك من يحاول كتابة قصة مختلفة عنها.

إن السردية الوطنية ليست مجرد كتاب تاريخ، ولا خطاب سياسي، ولا احتفال رسمي.

إنها الإطار الذي يمنح المجتمع شعورا بالاستمرار، ويربط الماضي بالحاضر، ويجعل التضحية مفهومة، والانتماء ممكنا، والمستقبل قابلًا للتخيل.

وحين تضطرب هذه السردية، لا تضطرب السياسة وحدها، بل يضطرب معها وعي الأمة بذاتها.

ولهذا فإن الأمم التي تهمل روايتها، تترك لغيرها مهمة كتابتها.

ومن يكتب روايتك… يملك، مع الزمن، القدرة على إعادة تعريفك أمام العالم، بل وأمام نفسك.

لهذا لم يعد السؤال في القرن الحادي والعشرين: من يملك السلاح الأقوى؟

بل أصبح سؤالا أكثر عمقا:

من يملك الرواية التي يصدقها شعبه أولا، ويقتنع بها العالم ثانيا؟

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *