كيف تصنع الدول “العدو”؟ ولماذا تحتاج إليه أحيانا لتوحيد صفوفها؟

من أكثر الأخطاء شيوعا في قراءة السياسة الدولية أن نتصور أن الدول تحدد أصدقاءها وأعداءها بناء على الجغرافيا أو المصالح المادية وحدها.

فالتاريخ يخبرنا أن الدولة نفسها قد تتحول من حليف إلى خصم، ومن خصم إلى شريك، دون أن تتغير الجغرافيا، أو تتبدل الحدود، أو تتغير الشعوب.

ما الذي يتغير إذن؟

الذي يتغير – غالبا- هو الرواية.

فالدول لا تعيش بالخرائط فقط، بل تعيش أيضًا بالقصص التي ترويها عن نفسها وعن العالم من حولها.

وحين تتغير هذه القصة، يتغير معها تعريف “الصديق” و”العدو”.

ولهذا يتحدث عدد من الباحثين في العلاقات الدولية عن أن صورة الخصم ليست نتاجا للقوة العسكرية وحدها، بل تُبنى أيضا عبر الخطاب السياسي والإعلامي والذاكرة التاريخية والهوية الجماعية.

فحين تشعر دولة أو تحالف بأن هويته مهددة، قد يعيد تفسير تصرفات الطرف الآخر باعتبارها تهديدًا وجوديًا، لا مجرد خلاف في المصالح.

ليس معنى ذلك أن التهديدات غير حقيقية، أو أن الدول “تخترع” خصومها من العدم.

فبعض التهديدات واقعية ومثبتة.

لكن طريقة تقديمها للرأي العام، وحجمها، واللغة التي توصف بها، كلها عوامل تؤثر في الكيفية التي يدرك بها المجتمع هذا الخصم….

فالسياسة لا تتعامل مع الوقائع وحدها، بل مع إدراك الوقائع أيضا.

ولهذا نلاحظ أنه في أوقات الأزمات الكبرى، تميل الدول إلى استخدام لغة أكثر وضوحا في رسم الحدود بين “نحن” و”هم”.

ليس لأن الواقع تغيّر بالضرورة في يوم واحد، بل لأن المجتمعات في أوقات القلق تبحث عن رواية تمنحها شعورًا بالتماسك.

ومن هنا يصبح “العدو” عنصرا في بناء الهوية الجماعية.

فحين يشعر الناس بوجود خطر مشترك، تضعف الخلافات الداخلية غالبا، ويزداد الالتفاف حول المؤسسات، ويصبح اتخاذ القرارات الصعبة أكثر قبولا.

ولهذا فإن كثيرا من التحالفات الدولية لم تتشكل فقط لأن أعضائها متشابهون، بل لأنهم شعروا بوجود تحدٍّ مشترك يستدعي العمل الجماعي.

لكن هنا تكمن المفارقة….

فالاعتماد المستمر على وجود خصم لتعزيز الوحدة قد يحمل مخاطره أيضا.

لأن المجتمعات التي لا تعرف كيف تبني تماسكها إلا من خلال الخوف، قد تجد نفسها مع مرور الوقت بحاجة دائمة إلى أزمات جديدة تبرر استمرار هذا التماسك.

أما المجتمعات الأكثر استقرارا، فهي تلك التي تؤسس وحدتها على مشروع إيجابي: تنمية، أو قانون، أو هوية وطنية جامعة، أو رؤية للمستقبل، لا على وجود خصم دائم.

ولهذا فإن الدولة الواثقة من نفسها لا تبحث عن الأعداء لتبرر وجودها، لكنها في الوقت نفسه لا تتجاهل الأخطار الحقيقية.

إنها تفرق بين إدارة التهديد والعيش على التهديد….

وهذا هو الفارق بين السياسة الرشيدة والسياسة التي تجعل الخوف هو الوقود الوحيد للحياة العامة.

ولعل السؤال الذي يستحق التأمل ليس:

من هو العدو؟

بل:

هل نستطيع بناء وحدتنا الوطنية ورؤيتنا للمستقبل دون أن تكون قائمة دائمًا على وجود عدو؟

فالأمم التي تنجح في ذلك تكون غالبا أكثر قدرة على الاستمرار، لأن قوتها تنبع من وضوح مشروعها، لا من استمرار أزماتها…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *