هل حقا تم اختزال الأردن في رواية واحدة؟

– هناك فرق كبير بين قراءة التاريخ… وبين اختزال التاريخ.

فالقراءة تبحث عن التعقيد، أما الاختزال فيبحث عن جملة واحدة يفسر بها كل شيء.

ومن أكثر الجُمل التي تتكرر عند الحديث عن الأردن، قول بعضهم: “لقد أُسس الأردن ليكون وطنا بديلا للفلسطينيين”، ثم تُبنى على هذه العبارة أحكام سياسية وأخلاقية تمتد إلى الدولة والشعب والتاريخ معا….

هي رسالة وصلتني للتوّ من أحد الإخوة الكرام ولطالما أُرسِلَ لي مثلها..

وبعيدا عن المواقف السياسية، فإن هذا النوع من الطرح يثير سؤالا يستحق التأمل:

هل يمكن اختزال نشأة دولة كاملة، وتاريخ شعب كامل، في تفسير واحد؟

إذا كنا سنقرأ تاريخ الأردن من زاوية اتفاقيات سايكس–بيكو والانتداب البريطاني، فمن الإنصاف أن نقرأ التاريخ نفسه بالمنهج ذاته في بقية المنطقة….

فالعراق الحديث نشأ في ظل ترتيبات دولية.

وسوريا ولبنان رُسمت حدودهما في سياق دولي معروف.

وفلسطين نفسها كانت خاضعة للانتداب البريطاني.

ومعظم دول الشرق الأوسط الحديثة وُلدت في ظل تحولات دولية وإقليمية كبرى، لم يكن لشعوبها القرار الكامل في رسمها….

فهل يُسقط ذلك شرعية هذه الدول؟

وهل يعني أن شعوبها مجرد نتاج لمؤامرة تاريخية؟

إذا قبلنا هذا المنطق، فلن يبقى في المنطقة كلها تقريبا دولة لا يطعن أحد في أصل وجودها.

لكن الدول لا تُقاس فقط بكيفية ولادتها، بل بما أصبحت عليه بعد ذلك.

فالدولة ليست لحظة تأسيس، بل مسيرة أجيال…

وليس من العدل يا معشر الطيبين أن نحاكم حاضر الشعوب بقرارات اتخذتها إمبراطوريات قبل أكثر من قرن.

ثم إن من الظلم أيضا أن يتحول الخلاف السياسي إلى اتهام شعب كامل أو التشكيك في انتمائه.

فالشعوب ليست هي التي وقّعت الاتفاقيات الدولية، وليست هي التي رسمت الحدود على الخرائط.

لقد عاش الأردنيون والفلسطينيون تاريخا طويلا من التداخل الأسري والاجتماعي والإنساني، وامتزجت العائلات، وتشابكت المصائر، وسقط الشهداء من الجانبين دفاعًا عن الأرض والكرامة.

ولهذا فإن تحويل العلاقة بين الشعبين إلى علاقة اتهام دائم، لا يخدم الأردن، ولا يخدم فلسطين، بل يخدم كل من يريد أن تبقى المنطقة أسيرة للروايات المتصارعة.

إن الدفاع عن فلسطين لا يحتاج إلى الطعن بالأردن….

كما أن الاعتزاز بالأردن لا يكون على حساب فلسطين…..

فالبلدان دفعا أثمانا باهظة بسبب الصراع، ولكل منهما روايته الوطنية التي تستحق أن تُفهم في سياقها، لا أن تُختزل في شعار أو تُختطف لخدمة استقطاب سياسي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة، هو أن تسمح للآخرين بكتابة تاريخها نيابة عنها، أو أن تقبل أن تُختزل تجربتها في جملة واحدة، مهما بدت جذابة أو سهلة التداول.

فالتاريخ لا يُقرأ بالهتافات…. ولا تُبنى الأوطان بالاتهامات والنِكايات وكلمات الخوين والتشكيك.

بل تُبنى بالمعرفة، والإنصاف، والقدرة على رؤية الصورة كاملة، لا جزءًا منها فقط.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا ينجح أعداء الأردن أحيانا في رواية قصته أكثر من الأردنيين أنفسهم؟

– من يفهم التاريخ يدرك أن الأمم لا تُهزم -على الحقيقة- حين تخسر أرضا أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *